الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي

 

بتاريخ: الإثنين 22-11-2010 08:03 صباحا    الزوار: 945

 

 
   
 

أ.د. رفيق محمود المصري .

 

     تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق هدفين أساسين :

1.    تسليط الضوء على الرؤى والطروحات الأساسية التي تم تناولها تاريخياً , والتي لا زالت تناقش بوصفها بدائل وخيارات لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , وتفحصها بشكل نقدي وشامل , بحيث يتم معالجة الظاهرة في عموميتها بعيداً عن جزئياتها التفصيلية التي تحول دون رؤية جل الظاهرة وجوهرها الأساسي .

2.    تقديم رؤية مستقبلية كمشروع حل جديد , قادر على وضع حد نهائي وجذري لعملية الصراع التاريخية , تقوم على تأسيس اتحاد فيدرالي ثلاثي الوطنية "فلسطيني , أردني , إسرائيلي" , رغم ما يواجه هذا الحل (الرؤية) المستقبلي من صعوبات قد تجعله طوباوي وغير قابل للتحقق .

 

Israeli – Palestinian conflict

Future vision for triple National Federation

Abstract

This study aims at achieving two main objectives :-

1. To shed light on the visions and proposals dealt with historically , and discussed on alternative and options to put an end to the Israeli - Palestinian conflict . This phenomenon has been critically and extensively examined

 

2. To present a future vision as a new proposal capable for putting an end to the historical conflict based on the establishment of triple National Federation "Palestinian , Jordanian and Israeli " despite the difficulties facing the future vision as an impractical and utopian solution .  

 

 

 

مقدمة

على امتداد قرن من الزمان تقريباً , ظل الفلسطينيون يحلمون بالاستقلال , وظل القدر يُحول أحلامهم إلى كوابيس مزعجة , والكوابيس إلى حقائق مؤلمة , لكنهم لم ييأسوا وقدموا تضحيات كبيرة كي يصبح حلمهم حقيقة , ويتجسد استقلالهم في دولة كاملة السيادة على إقليمهم الجغرافي , وأن تكون القدس عاصمة , إلا أن ذلك لازال حلماً , وإن اقترب من الإمكان الواقعي بعد اتفاقات أوسلو التي أحيت الأمل لدى الشعب الفلسطيني في مجمله , رغم أن هذه الاتفاقات لم تكن حلاً جذرياً لمشاكل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده . ومازال الحلم قائماً والسعي لتحقيقه يتواصل بأشكال وأساليب كفاحية متعددة ومتباينة في أحد جوانبها ومتكاملة في بعضها الآخر , وذلك لعدم وجود رؤية واحدة موحدة يُجمع عليها الفلسطينيون , وتمثل لهم خياراً استراتيجياً مُتفقاً عليه من الجميع أفراداً وجماعات , حركات وأحزابـــاً , "سلطة" و "معارضة" , والجامع بينهم فلسطين , وكل منهم يعمل بطريقته لعله يجد مراده ومبتغاه وفق قناعاته هو دون سواه , فمرة يتفق مع الآخرين ومرات يختلف , والشعب وقود الكل ومادته الحيوية , هذا الشعب الذي لازال ينتظر الفرج الذي راهن عليه عربياً لعقود من الزمان حتى أصابه اليأس والإحباط , فأخذ يراهن على ذاته الفلسطينية ولازال الأمل يحذوه في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس . (نوفل, 2000:18) .

وجاء توقيع "إعلان المبادئ" (اتفاقية أوسلو) في الحديقة الخلفية للبيت الأبيض الأمريكي بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل ؛ ليسدل الستار على حقبة تاريخية كاملة . وأنهى تبادل رسائل الاعتراف بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي عقوداً من إنكار الوجود فيما بين الشعبين اللذين يمثلانهما , على الرغم من أن ذلك الاتفاق لم يقدم حلاً جذرياً لجوانب الصراع كافة (صايغ , 2002: 1) , كما جاءت الظروف والعوامل الموضوعية والذاتية للطرفين لتحُول دون تنفيذ الاتفاقيات , بل لقد تم التراجع عنها إسرائيلياً , كما تم التراجع عما كانت عليه الأمور قبل اندلاع انتفاضة الأقصى في 2892000م , إلا أن القيادة الفلسطينية لازالت تطمح وتسعى لتحقيق حلم الدولة , التي شكلت ولازالت حجر الزاوية في الفكر السياسي الفلسطيني طوال قرن من الزمان تقريباً , ولم يبخل الشعب الفلسطيني بقياداته المتعددة والمتغيرة في كل مراحل النضال عن تقديم التضحيات الجسام من أجل هذه الغاية الوطنية رغم ما واجهه من صعوبات وعراقيل لثنيه عن تحقيق هذا الهدف (الحلم) الذي يسمو على كل الأهداف , بوصفه تجسيداً للحق التاريخي والطبيعي والقانوني الوطني للشعب الفلسطيني في تقرير المصير , وتحقيق هذه الدولة هو الذي يبرر نضال الشعب الفلسطيني , وانهماكه بصورة دائمة تقريباً فـــي عملية تاريخية لتأسيس هذا الحلم , وتحويله إلى واقع ملموس , بحيث أصبح "السعي إلى الدولة هو العنصر المحدد لصوغ الأهداف ووضع الاستراتيجيات , واختيار البنى التنظيمية , وكيفية إدارة السياسة الداخلية (الفلسطينية) في أثناء القسم الأعظم من النضال الذي يسبق إقامة الدولة" (صايغ , 2002: 3) , الأمر الذي أدى إلى تجاهل حق تقرير المصير المتعلق بأبناء الشعب الفلسطيني المقيم في دولة إسرائيل , والقفز عن هذا الحق من خلال عدم تناول قضيته أو التطرق إليها في عملية التسوية المدريدية أو/و الأوسلوية , إضافة إلى "الالتفاف" على حق العودة للاجئين من خلال التوصل إلى "حل متفق عليه" يستند إلى قرار (194) الصادر عن الأمم المتحدة .

خلفية الدراسة

لا يقصد بالانشغال الفلسطيني في بناء الدولة أو السعي لتحقيقها خوض جدل سياسي أو قانوني فيما يخص مكانة الشعب الفلسطيني ككيان وطني أو كشعب متميز وقائم بذاته , بل أن الجدل يدور حول إذا ما كان إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967م (بعد جلائها) وفق الرؤية الفلسطينية والعربية المطروحة حالياً كفيل بإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , وهل "حل الدولتين" يمثل حلاً جذرياً وعادلاً وشاملاً ودائماً للمسألة الفلسطينية ؟ ويجد الجدل مشروعيته في الحق التاريخي والطبيعي للشعب الفلسطيني , وفي ما يمكن أن يتركه هذا الحل من مشاكل كفيلة بنسف العملية السلمية من أساسها , وهذه المشاكل تتجسد في أمرين أساسين :

§        حق العودة لأبناء الشعب الفلسطيني الذين شردوا من ديارهم وممتلكاتهم وأراضيهم بل من وطنهم , وهل سيعودون إلى ديارهم الأصلية وفقاً لقرار (194) ؟

§        حق تقرير المصير لأبناء الشعب الفلسطيني المقيم في دولة إسرائيل , والذي يمثل جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ؛ أي : ما هو مصير هذا الجزء من الشعب الفلسطيني والذي يفوق تعدادهم المليون وربع المليون نسمة , ويشكلون أكثر من (12.5%) من مجموع الشعب الفلسطيني الذي يصل تعداده إلى عشرة ملايين نسمة ؟ خاصة وأن "منظمة التحرير الفلسطينية لا تملك جواباً بشأنهم : لا تفكيراً سليماً ولا تصوراً لمستقبل يضمهم ويدمجهم مع بقية الشعب الفلسطيني" (مصالحة , 1994: 69) , رغماً عن شعارات المنظمة الدائمة والتي تؤكد على أن الشعب الفلسطيني كل واحد موحد , بغض النظر عن تشتته وانتشاره الجغرافي , إلا أنها (المنظمة) لم تتمسك بشعاراتها وطروحاتها ورضيت من خلال المفاوضات , بتسوية تتناقض شروطها فعلاً مع المبادئ والأهداف التي تبنتها طوال أعوام (صايغ , 2002: 11) .

مشكلة الدراسة وتساؤلاتها

استناداً إلى طبيعة التسوية السياسية المطروحة لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , تتبدى العديد من الإشكاليات التي ستواجه هذه العملية مما يضعف مستقبلها , وهذه الإشكاليات هي :

1-  هل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على المناطق التي احتلتها إسرائيل عام 1967م (بعد جلائها) قادرة على إيجاد حل عادل ودائم وشامل لعملية الصراع الدائرة منذ ما يزيد عن قرن من الزمن ؟ وهل هذه الدولة المنشودة بمواصفاتها الفلسطينية والعربية كفيلة بوضع حد لما يعرف بالمسألة الفلسطينية - الإسرائيلية ؟

2-  هل إيجاد "حل متفق عليه" بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين بعيداً عن قرار (194) الصادر عن الأمم المتحدة , وبما يضمن عودة اللاجئين وتعويضهم قادر أن يصمد أمام طموحات أبناء الشعب الفلسطيني الذين يسعون إلى ممارسة حقهم في العودة ؟

3-  ما هو موقف الأردن الحقيقي من "حق العودة" ؟ وهل توافق هذه الدولة العربية على عودة أكثر من (60%) من سكانها بما يعنيه ذلك من دلالات مستقبلية على بنية المجتمع الأردني , كشعب ودولة ومؤسسات ؟

4-  هل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967م , وإيجاد حل متفق عليه "لمشكلة اللاجئين" يعني حل مشكلة أبناء الشعب الفلسطيني في دولة إسرائيل ؟ بمعنى أخر , ما هو مصير هذا الجزء من الشعب الفلسطيني , وما هو مستقبلهم ؟

5-  هل "الممر الآمن" أو "المعبر الآمن" تحت الأرض , أو فوق الأرض , ما بين غزة والضفة يمكن أن يحفظ التواصل الجغرافي لحدود الدولة الفلسطينية المنشودة ؟ لاسيما وأنها ستتكون من "جزيرتين يابستين" منفصلتين , وربطهما يستلزم اختراق السيادة المتبادلة للدولتين الفلسطينية والإسرائيلية , باعتبار أن السيادة تشمل الأرض بما فوقها وما تحتها .

على ضوء الإشكاليات الخمسة التي تشكل تساؤلات موضوعية , فهي عدا عن أنها بحاجة إلى إجابة علمية وعملية , فإنها تشكل فرضيات تؤسس لنسف العملية السلمية أو تهدد مستقبلها على أقل تقدير , مما يجعلها عرضة للفشل في تحقيق الثوابت الوطنية الفلسطينية , لاسيما وأن هناك الكثير من الرؤى والطروحات التي تم تداولها تاريخياً كخيارات وبدائل حلولية لإنهاء المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية ؛ الأمر الذي يستلزم تسليط الضوء عليها , ومناقشتها بشكل نقدي حتى يتسنى لاحقاً وضع رؤية مستقبلية لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , مما يركز مشكلتي هذا البحث في التالي :

1.    ما هي أهم الرؤى والطروحات السياسية التي تم تناولها تاريخياً بوصفها بدائل و خيارات حلولية لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ؛ أو مشاهد (سيناريوهات) حلولية ؟

2.    ما هي الرؤية المستقبلية المقترحة لحل المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية ؛ وإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , بمــا يحافظ علـــى السكان المقيمين علـــى أرض فلسطين التاريخية , وبما يصون الثوابت الوطنية الفلسطينية في حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس .

 

 

أهمية الدراسة

تتبدى أهمية هذا البحث في التالي :

1.    معرفة الطروحات والرؤى التي تم تناولها تاريخياً , وتلك التي يتم تداولها حالياً لحل المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية , وفق رؤية بنائية نقدية قائمة على المنهج العلمي في التحليل , ومستندة إلى رؤية مستقبلية , على اعتبار أن محاولتنا هذه تقع في إطار "بحوث ودراسات المستقبل" , وهو دون شك , تخصص علمي جديد يختص بصقل البيانات وتحسين العمليات , التي على أساسها تتخذ القرارات وترسم السياسات في مختلف مجالات السلوك الإنساني .

2.    تقديم رؤية بديلة لراسمي السياسات , وصانعي القرارات لمساعدتهم على أن يختاروا بحكمة - في إطار أغراضهم وقيمهم - من بين المناهج البديلة المتاحة للفعل في زمن معين . وبالتالي فإن هذا البحث لا يتضمن فقط دراسة معلومات الماضي والحاضر والاهتمام بها , ولكنه يحاول استحضار واستشراف المستقبلات البديلة , الممكنة والمحتملة , للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , والعربي - الإسرائيلي , واختيار البديل المرغوب منها , ثم التخطيط والعمل على تحقيقه , وهي مسالة تحتاج إلى جهد شاق ومكثف , علنا نجد حلاً عادلاً ودائماً لهذا الصراع التاريخي الذي ما انفك يفتك بحياة الناس عنفاً وعنفاً متبادلاً وإن اختلفت المسميات .

3.    اعتبار هذا البحث جزءاً مما يسمى ببحوث الفعل (Action Research) , بوصفه دراسة موجهة في اتجاه عمل معين يختص بالتفكير فيما نريد أن يكون عليه المستقبل وفقاً للمعايير التي نرتضيها , ومن خلال بعد زمني طويل , بغية مساعدة صناع القرار وراسمي السياسات , وهو بحث يهدف إلى إيجاد حل مبدع وخلاق يتجاوز الماضي البغيض والحاضر المقيت , وأن يحرر في الوقت  نفسه ثقافتنا بشكل عام , وثقافتنا السياسية بشكل خاص , من أغلالها , غل الماضي السلفي العتيق , وغل الجديد الليبرالي , واللذان لا يعبران عن مصالح الشعب الفلسطيني , هذه المصلحة التي تستدعي تحرير وعينا من شعارات الماضي المغلقة والمنغلقة , والتوجه نحو المستقبل بكل ما يحمل من آفاق رحبة , وذلك هو مؤشر "التغيير التجاوزي" , تغيير يتجاوز الماضي والحاضر معاً , وينقطع عنهما وفق رؤية جدلية علمية , معتمداً على قراءة كل من الماضي والحاضر وفق نظرة كلية للتطور الاجتماعي والسياسي , تأخذ باعتبارها صراعاته الأيديولوجية والقيمية والطبقية , لاسيما وأنه ليس من مستقبل حقيقي , ولا من ابتداع حقيقي للمستقبل إلا من خلال التفوق والتسامي ؛ أي من منظور القطيعة بينه وبين ما سبقه (زاهر , 2004: 53) .

4.    الكشف عن مخالب الفكر السياسي الفلسطيني وقصوره في سياقاته التاريخية , مع توضيح الظروف والعوامل التي أحاطت به , حتى يتم الكشف لاحقاً عن أسباب التغير التي أدت إلى تطوره وانتقاله من واقعه المغلق إلى آفاقه المفتوحة .

أهداف الدراسة

تعتمد رؤيتنا في هذه الدراسة على المقاربة المعيارية لمستقبل معين مرغوب فيه , وهو في هذا السياق مبني على مقاربة حدسية استكشافية تدعي أن المستقبل المذكور يمكن تحقيقه . كما وتميل هذه الدراسة إلى التأكيد على مفهوم المستقبلات البديلة الذي يتحرر من الماضي ليسهم في صياغة أكثر من مستقبل ممكن , ويكشف في الوقت نفسه عن إمكانية ابتكارات المستقبل , أو على الأقل التأثير فيه , كما أنها دراسة تقوم على محاولة التحكم في المستقبل وتغييره , عن طريق ابتداع أشكال أو مروحة من المستقبلات الممكنة وتحويلها إلى أخرى محتملة , وتطويرها إلى ثالثة مرغوبة يمكن التخطيط لتحقيقها بأشكال متعددة (زاهر , 2004: 55) , مستفيدين من كل ذلك في شحذ معارفنا وفهمنا لأهدافنا الوطنية وأولوياتها التي تشكل أفضلياتنا , مستخدمين اتجاهاً في طور التبلور والتكوين بآفاق واعدة في مثل هذه الدراسات , يتمثل في التركيز بكثافة على عنصري الخيال والإبداع في تشكيل مشاهد المستقبل الفلسطيني - الإسرائيلي , ربما , كرد فعل للإحباطات من النماذج الحلولية السائدة , ولعل الرؤية الإستراتيجية البعيدة المدى هي دليلنا في هذا التوجه لتحقيق الأهداف التالية :

1-  تسليط الضوء على الطروحات والرؤى الأساسية التي تم تناولها وتقديمها , ولازالت تناقش على كل المستويات , بوصفها بدائل وخيارات لحل المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية , وتفحصها وفق رؤية نقدية شاملة , تعالج الظاهرة في كليتها بعيداً عن جزئياتها التفصيلية التي تحُول دون رؤية الظاهرة وجوهرها الرئيسي .

2-  تقديم رؤية مستقبلية للمسألة الفلسطينية - الإسرائيلية , كمشروع حل جديد وبديل لما طُرح سابقاً , ولما يُطرح حالياً , قادر على وضع حد نهائي لعملية الصراع التاريخي بين الطرفين , على أن يتسم بالعدل والشمول وإمكان الديمومة , وبما يحفظ للشعبين حقهما في الحياة الإنسانية المشتركة على أرض فلسطين التاريخية أو "الانتدابية" .

وانطلاقاً مما سبق , تتبدى ضرورة أن يكون الهدف الثاني موضع اهتمام صناع القرار وراسمي السياسات الفلسطينية ومخططيها الاستراتيجيين , وتحويله إلى إستراتيجية عمل فلسطينية وإسرائيلية وعربية ودولية , بوصفها البلسم الذي يداوي جراح الصراع التاريخي الفلسطيني والعربي - الإسرائيلي . الأمر الذي يستلزم منا التخلص من ثقافتنا السياسية الرفضوية من ناحية والانهزامية من ناحية أخرى , ومحاولة التأصيل لثقافة جديدة ببعد إنساني مدرك للواقع بآفاقه المستقبلية , لاسيما وأن المجتمع الفلسطيني ليس كائناً مكوناً جاهزاً ومحكوماً في البدء , فيدور في دائرة لا يخرج عن مدارها وكأنه صنع لأن يكون شيئاً واحداً ؛ بل هو متطور ومتحول في هويته وثقافته ومفاهيمه وأنظمته ومؤسساته وحتى مقدساته حسب أوضاعه وظروفه ومواقعه وصراعاته المستجدة باستمرار (بركات , 2005: 227) . كما أن أصالة الثقافة لا تعني مجرد التمسك بالأصول والثوابت ؛ بل تعني "الاستمرار والصيرورة" من حيث تفاعلها مع الثقافات الأخرى , والثقافة ليست دائرة مغلقة ... بل هي أفق تليه آفاق لا نهاية لها (بركات , 2004: 240) .

وفي هذا السياق يجب أن نعترف بأن للأخر دوراً في تحديد هويتنا وثقافتنا ورسم حدودها , لأننا قد حاولنا جاهدين أن نحدد هويتنا من خلال طبيعة علاقات القوة القائمة ونوعية الخلافات أو التحالفات , ومن خلال نظرة الآخر وتعامله معنا . فهويتنا تحدد بدافع من هيمنة الآخر وسيطرته علينا , وربما من هنا الكفاح المرير من أجل الهوية أو اللجوء الذي يقترب عند البعض إلى حالة الهروب إلى الماضي والتعلق بالمجد الغابر والعمل عبثاً على استعادة الأمس البعيد , (بركات , 2004: 244) , وهو التمسك بشعارات التحرير الكامل من النهر إلى البحر , وإقامة نظام الخلافة الإسلامية على أرض فلسطين بوصفها وقف إسلامي لا يجوز ولا يحق لأحد التصرف بها , وعلى كل الأديان والقوميات والطوائف والأثنيات أن تعيش وفقاً لهذه الرؤية القاصرة عن استحضار المستقبل واستشرافه من خلال تحديد وفحص دراسة المستقبلات البديلة , وتعريفها دون التنبؤ بها , باعتبار أن التنبؤ يعني ضمنياً الوصول إلى مستقبل وحيد محدد سلفاً ومعروف مسبقاً , وهو أمر مرفوض , لأن الدراسات المستقبلية تؤكد بدلاً من ذلك على التصورات الممكنة وعلى خياراتها وبنى أهدافها , إلى جانب عدم قدرة الرؤية السلفية توصيف درجة عدم اليقين المصاحبة لكل احتمال أو مستقبل بديل , وبالتالي تحديد الأماكن الحاكمة التي تمثل إنذارات أو تحذيرات من مستقبلات معينة , وذلك لأن المستقبل ودراسته تهتم أساساً بالتعرف على العديد من المفاتيح الممكنة المتقدمة حول التغيرات المتطورة . كما تعجز السلفية العتيقة عن فحص التنوع من المتتاليات , وبالتالي استكشاف مجموعة النواتج أو المترتبات التي تكون ذات تأثير علينا , وعلى مستقبلنا , الأمر الذي يستلزم شحذ معارفنا وفهمنا لأفضلياتنا وأولوياتنا (زاهر , 2004: 55-57) ؛ وبالتالي وجب علينا التخلص من الماضي , الذي نستمد عزائنا النفسي منه , فنميل إلى الاكتفاء بهذا العزاء , فنمجد الماضي ونحاول بعثه من جديد بأساليب قديمة في زمن مختلف .

إن تحقيق الأهداف السابقة , وفق الرؤية المذكورة , تستلزم منا , استحضار الرؤى الفلسطينية والإسرائيلية والعربية والدولية للحل وفق تتبعها التاريخي وصولاً لحل "الدولتين لشعبين" المطروح حالياً , ومحاولة تقديم رؤيتنا المستقبلية بعد التوقف أمام الإطار النظري الحاكم لمقاربتنا البحثية هذه , خاصة وأننا ننطلق في رؤيتنا المستقبلية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي من اعتبار أن التغير عملية متسارعة , بل بالغة التسارع , وبهدف قيادة هذا التغير الجامح ينبغي النظر في الظواهر والأحداث بشكل كلي , ولا ينبغي أن ننظر إلى كل حادثة أو ظاهرة بمعزل عن  السياسات الكلية للنظم التي تستوعبها , أو نتصورها غير متصلة بها , كما نركز في هذه الدراسة على إرشاد الناس إلى وجود تداعيات مستمرة لما يفعلونه أو لا يفعلونه , فلكل عمل تداعياته ونتائجه , وكذلك عدم العمل له تداعياته لكن من نوع أخر , باعتبار أن الدراسات المستقبلية تسعى إلى ابتداع مستقبل مرغوب فيه , آخذين بعين الاعتبار عامل الزمن , بحكم أهميته الاستثنائية والمطلقة , حيث تتجلى أهمية التخطيط بمداياته الثلاثة , القصير والمتوسط والطويل , علماً بأن الدراسات المستقبلية تعطي للأفكار والقيم والرؤى الإيجابية أهمية خاصة باعتبارها المحددات الأساسية لإبداع مستقبلات أفضل للعالم (زاهر , 2004: 59-60) .

حدود الدراسة

يتبلور الحد الزماني لهذه الدراسة في أمرين : الأول وهو الزمان الذي ستتناوله هذه الدراسة لكافة الطروحات الحلولية للمسألة الفلسطينية - الإسرائيلية , وهي ربما تتجاوز تاريخ إقامة دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية التاريخية , لتنحو اتجاه تواريخ أكثر عمقاً في التاريخ , قد تبدأ منذ بدء المشروع القومي العربي - وضمنه الفلسطيني - مع بدايات القرن العشرين , وازداد بلورة بعد تصريح (وعد) بلفور سنة 1917م حتى التاريخ الحالي , والأمر الثاني , هو الزمان الذي استغرقناه لإنجاز هذه الدراسة , والذي امتد من بداية شهر أكتوبر 2008م حتى نهاية نوفمبر 2009م .

أما الحد البشري لهذه الدراسة , فيشمل الشعب الفلسطيني بأجزائه ومكوناته الثلاثة الرئيسة , المتمثلة بالذين يعيشون في دولة إسرائيل , والمقيمين في الضفة الغربية وغزة , والقدس الشرقية , واللاجئين المشتتين في دول العالم , إضافة إلى الإسرائيليين والأردنيين , كما يشمل الحد المكاني حدود فلسطين التاريخية "الانتدابية" , وحدود المملكة الأردنية الهاشمية على اعتبار أن الرؤية المستقبلية المقترحة لحل المسألة الفلسطينية , وإنهاء الصراع الفلسطيني , العربي - الإسرائيلي بشكل جذري تقوم على اتحاد فيدرالي ثلاثي الوطنيات , تتمثل في فلسطين والأردن وإسرائيل .

منهج الدراسة

انطلاقاً من تعقيدات موضوعنا , وترابطاته وتشابكاته بالعديد مـــن العوامل والمتغيرات القديمة والآنية , الماضية والحاضرة , إلى جانب تدخلات المحلي مع الإقليمي , والأثنين مع الدولي بكل أبعاده وتجلياته في سياق المصلحة والصراع , وارتباط كل ذلك بمفاهيم القوة وتمظهراتها الحسية , سنعتمد في هذه الدراسة على المنهج المادي الجدلي التاريخي , والذي يقوم على ربط الماضي بالحاضر ليخرج بهما ومنهما برؤية استشرافية مستقبلية .

وسيميل الباحث إلى تبني هذا المنهج انطلاقاً من قناعته بأنه لم يعد ممكناً تحليل المشكلات وخاصة مشكلات هذا البحث بواسطة علم أو تخصص واحد , وذلك بحكم تعقد هذه المشكلة وتعدد جوانبها , كما أن تعقيدها يتصل إلى حد ما بالتخصصات البينية . وتزداد أهمية المنهج المطروح في معالجة مشكلتنا من كونيتها , والكونية بوصفها طريقة لدراسة التعقيد , فهي ترتبط بمدخل التخصصات المتجاوزة , مما يعني وجوب النظر إلى مشكلتنا في كليتها وعالميتها وبعدها الكوني , ولعل هذا يعزز تخصصنا في العلوم الاجتماعية والتي تحتاج إلى أكثر من علم لفهم الظواهر الإنسانية المعقدة , ومنها هذا الصراع التاريخي الفلسطيني , العربي - الإسرائيلي في سياقه الشمولي .

مصطلحات الدراسة

سيصادف في هذه الدراسة العديد من المصطلحات والمفاهيم , التي تستلزم الكشف عنها , وتوضيح المقصود بها , وهذه هي :

1.    الفيدرالية (الاتحادية) -(Federalism)

وهي نظام سياسي وفلسفة سياسية تعترف - داخل نطاق دولة قومية محددة - بحكومة مركزية للإقليم ككل , وحكومات إقليمية مستقلة للولايات أو الأقاليم المكونة للدولة , وتتوزع سلطات الحكومة ووظائفها بين هذين المستويين , ويجب أن توفر النظم الفيدرالية وسائل لحل الصراع بين المركز والمناطق الإقليمية , أو بين أثنين أو أكثر من الأقاليم , وتتمتع السلطات المحلية بواجبات محددة يتم حمايتها بمجموعة من الحقوق ضد تعدي السلطة المركزية ؛ ويحق لكل مستوى مـــن مستويات الحكـــم أن يصدر تشريعات ضريبية (مارشال , 2000: 1106-1107) .

2.    الوطنيات (القوميات)-(Nationalism)

يعد مفهوما "الوطنية" و "القومية" مفهومين متماثلين , بل متطابقين في اللغات الأجنبية , ويعكسان نفس المضامين , إلا أنهما في السياق العربي لهما خصوصيتهما , حيث يقصد "بالوطني" القطري , أي ما يخص كل قطر (دولة) عربي , ومن ضمنهم فلسطين ؛ أي الوطنية الفلسطينية , الأردنية , المصرية , السورية ... الخ , في حين يُّقصد "بالقومي" كل ما يتعلق بالعرب , بوصفهم يمثلون قومية واحدة . والوطنيات جمع وطنية , كما القوميات جمع قومية , وهو مفهوم بديل في سياقه الفلسطيني , و/أو الأردني عن مفهوم القومية , حتى لا يُفهم بأننا ضد مفهوم القومية العربية , لكن مفهوم الوطنية يعكس مضامين مفهوم القومية على مستوى القطر الواحد , أي الدولة الواحدة , على اعتبار أن القومية هي تجمع من السكان يجمعهم إقليم جغرافي واحد , ولغة واحدة , وعادات وتقاليد واحدة , وتاريخ مشترك , إضافة إلى وحدة العامل السيكولوجي الذي يجمع أبناء الشعب الواحد .

ونقصد "بالاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنيات" , دولة اتحادية فيدرالية تضم ثلاث قوميات (وطنيات) , الفلسطينية , والأردنية , والإسرائيلية , بعدما تبلورت الأخيرة في صيغة قومية إسرائيلية , وليست يهودية أو صهيونية , باعتبار أن الإسرائيليين بعد تشكل دولتهم عام 1948م , أصبحوا قومية مستقلة تجمعهم العوامل المذكورة أعلاه , إضافة إلى تبلورهم كأمة واحدة في دولة , وفقاً لمفهوم (الدولة - الأمة) .

 

3.    الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي

هو شكل للتعبير عن التناقضات الحادثة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي , وهو شكل يعرض فيه الصدام الحاد للأفعال والآراء والآمال والعواطف المتصارعة , والذي ابتدأ مع أول موجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين عام 1882م . وأخذ هذا التناقض في التفاقم معبراً عن نفسه في حالة صراع دائم بين الطرفين منذ بدايات القرن العشرين تحت مسمى الصراع الفلسطيني – الصهيوني , والعربي – الصهيوني , حتى تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 , فبدأ الصراع يأخذ اسماً جديداً , الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , ولازال هذا الصراع مستمراً رغماً عن قناعة الطرفين بإمكانية التعايش معاً على أرض فلسطين التاريخية في صبغة "دولتين لشعبين" وفقاً لمبادرة الرئيس بوش الابن , التي جسدتها فيما بعد ما يعرف "بخارطة الطريق" التي تبنتها الرباعية الدولية بوصفها خارطة إنهاء الصراع بين الطرفين من خلال المفاوضات المباشرة التي ستفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب دولة إسرائيل , ولازالت المفاوضات مستمرة دون التوصل إلى هذه الغاية أو هذا الهدف .

الإطار النظري للرؤية المستقبلية

تتميز الدراسات المستقبلية بعدد من الخصائص الأساسية التي أشار (ماسيني) إلى أكثرها أهمية , ملخصاً إياها فـــي سبعة , وهـــي : البينيـــة , والتعقيد , والكونية , والمعيارية , والعلمية , والديناميكية , والمشاركة . وتعني البينية أنه لم يعد ممكناً تحليل المشكلات , وخاصة مشكلة هذا البحث بواسطة علم أو تخصص واحد , وذلك بحكم تعقد هذه المشكلة , وتعدد جوانبها , كما أن تعقيدها يتصل إلى حد ما بالتخصصات البينية . ويشير التعقيد إلى المحتوى بصورة أكثر , وهو محتوى معقد , الأمر الذي يقربنا من "عدم اليقين" , وهي تحاول التقليل من مستوى "عدم اليقين" من خلال البناء والتحليل الحريص للمشكلات . أما الكونية , بوصفها طريقة لدراسة التعقيد فهي ترتبط بمدخل التخصصات  المتجاوزة , مما يعني وجوب النظر إلى مشكلتنا في كليتها وعالميتها وبعدها الكوني . كما يجب البحث في هذه المشكلة المستعصية منذ ما يزيد عن قرن من الزمان انطلاقاً من القيم المعنية , والرغبات والأماني , أو الحاجات المتعلقة بالمستقبل , مستقبل الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي , إضافة إلى مستقبل الشعوب العربية , لاسيما الأردني , وشعوب المنطقة بأسرها وعلاقاتها البينية , دون المساس بالطابع العلمي لحل المشكلة , مع أن العلمية هي من أكثر خصائص الدراسات "المستقبلية إثارة" للجدل , علماً بأن كل ما هو تجريبي ومتكرر , ويمكن التنبؤ به فهو علمي . كما يجب أن نرى الحلول وفق رؤية ديناميكية , باعتبار أنه لا يوجد علم مطلوب لدراسة التغيير (أي التغيرات المتعلقة بالحقيقة) مثل : الدراسات المستقبلية , وذلك بحكم الوعي النامي للبشر , وبشكل خاص شعوب "العالم الثالث" (الذي يقع الشعب الفلسطيني في وسطه) التي تسعى للمشاركة الفاعلة في صنع المستقبل وبنائه على أساس قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان , ومشاركة هذه الشعوب في صناعة القرارات الإستراتيجية والبعيدة المدى , وبناء مستقبلاتهم مهما كانت الثقافة السائدة حالياً , والتي قد تبدو معيقة لإيجاد حل مستقبلي مبدع وخلاق , إضافة إلى ضرورة عدم إغفال حقيقة إشكاليات ودراسات المستقبل (زاهر , 2004: 60-65) .

وتتعدد إشكاليات المستقبل وتتنوع , منها النظرية ومنها المنهجية , ولعل أولها , مفهومنا عن المستقبل في حد ذاته , فهو مفهوم ينطوي على مفارقة , فالمستقبل ليس له وجود كشيء مستقل , لذا لا يمكن دراسته , بل من الممكن دراسة أفكار عنه . وقد يكون مصدر هذه الأفكار هو الماضي أو الحاضر , أو الاثنان معاً , على أن تتاح لنا باستمرار درجات من الحرية والمناورة تجعلنا نتجاوز هذا الماضي أو ذلك الحاضر , وفقاً لإرادتنا وخياراتنا , باعتبار أن جزءاً كبيراً من المستقبل ليس انعكاساً للماضي والحاضر , وبالتالي فإنه في إمكاننا أن نشكل جزءاً هاماً منه . وهذا يقودنا إلى أننا لا نستطيع رسم صورة للمستقبل كاملة , بل نتصوره ونشكله ضمن اختيارات مفتوحة , وإن كانت هذه الخيارات مشروطة بالواقع الموضوعي .

إن ما سبق , يبرر المرونة الفائقة التي يمكن أن يتشكل بها المستقبل باعتباره أداة أفعالنا على الرغم من عدم وجوده كشيء مستقل , هذا إذا أجدنا استشراف هذا المستقبل في الواقع البالغ التعقيد والمفعم بالغموض (زاهر , 2004: 65-66) , وذلك بحكم عدم وجود رؤية إستراتيجية متفق عليها (خاصة في هذه الفترة) لتشكل إجماع لفعل تشاوري وحدوي , وسلوك سياسي وطني جماعي من كل القوى الفاعلة على الساحة الفلسطينية , أو على الأقل بين القوى الأكثر تأثيراً في السياق الاجتماعي السياسي , كما لا توجد مؤشرات ملموسة عند الطرف الآخر الإسرائيلي تبشر بإمكان المراهنة على إيجاد سيناريو عمل مشترك , وذلك بحكم الإجماع عند كل الإسرائيليين المؤثرين على الطابع اليهودي لدولتهم , والذي بالنسبة لهم يؤكد على "قوميتها" , وهنا تحَّول الدين بفعل فاعل إلى "قومية" رغماً من أن "القومية" الإسرائيلية إذا ما تشكلت تكون بعيد عام 1948 , حينما أسست الدولة نفسها بفعل قرار دولي صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة , مما يعني ضرورة عدم النظر إلى القومية , على أنها تتبع مساراً أحادي الوجهة , أو حتمياً , أو غير قابل للارتداد , على الرغم من الإقرار بارتفاع إمكان ظهورها كقوة سياسية , أو كتيار عقائدي في حالات النزاع بين الجماعات المتميزة . فالقومية , تبقى ظاهرة مجزأة ومشروطة بظواهر أخرى , فهي تستمد عناصر تكوينها من خصائص تاريخية وثقافية محددة , غير أن هذه الخصائص ليست سمات أساسية أزلية , ولا يمكن فهم أهميتها فهماً حتمياً إلا من خلال تظافر معين لعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية ومؤسسية (صايغ , 2002: 8-9) , مع أن إسرائيل لا تفصل بين مفهومي القومية والدين للأمة , مع قناعتنا بأن القومية تحتاج إلى رموز دينية لتأكيد الخصوصية , وغالباً (كما يقول د. عزمي بشارة) ما تتم عولمة هذه الرموز في الفكر القومي , أو يتم تأميم تاريخ الدين والمشاعر الدينية بأثر رجعي ... ولكن حالة إسرائيل هي الوحيدة التي يمارس فيها التطابق بشكل كامل , ويتم فيها الانتماء إلى القومية ثم المواطنة عبر تغيير الدين , ويتم إتباع منهج ديني , واستخدام أدوات دينية لفحص الانتماء إلى هذه القومية . كما أن الحجة الوحيدة المستخدمة لتبرير السيادة وحق تقرير المصير هي حجة دينية تاريخية يدعي بموجبها بوجود حق تاريخي توراتي  على الأرض (بشارة , 2005: 23) ؛ لذا, فهي دوماً تؤكد على يهودية دولتها , لاسيما وأن قرار التقسيم (181) الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 , أكد كذلك على يهودية دولة إسرائيل .

يوضح ما سبق مستوى تعقد البحث المستقبلي كإشكالية أولى , باعتباره بحثاً اجتماعياً يتعامل مع ظواهر اجتماعية بالغة التعقيد , ومازال أمامنا الكثير والكثير لنعلمه ونتعلمه عن الصلة بين السبب والنتيجة لقرار يتخذ في الشؤون الإنسانية وعواقبه الحقيقية , وهو كذلك مواجه بالعديد من العوامل الكثيرة والمتشابكة والتي يستحيل حصرها أو التحكم فيها في وقت واحد , وهو ثالثاً مواجه بحقيقة أن التحقيق التجريبي لنتائجه متعذر تماماً , وتضاف مشكلة أخرى هي , التبسيط المخل والمتعسف للظاهرة الاجتماعية المدروسة , وذلك عندما يأتي وقت اتخاذ القرار ؛ بالإضافة إلى أمر آخر متعلق بموضوعية الباحث المستقبلي من عدمه , باعتبار أن هناك علاقة جدلية بين الباحث والبحث , وبقدر ما يسيطر الباحث على ذاتيته تجاه الظاهرة المدروسة تكون موضوعيته , وبالتالي سلامة أحكامه واستشرافاته المستقبلية , باعتبار أن استشراف أبعاد المستقبل هو اجتهاد علمي منظم يرمي إلى صوغ مجموعة من "التكهنات" و "التوقعات" المشروطة والتي تشمل المعالم الرئيسية لأوضاع مجتمع مـــا أو مجموعة المجتمعات , وعبر فترة تمتد لأبعد مـــن عقدين من الزمان , وتنطلق من بعض الافتراضات الخاصة حول الماضي والحاضر , لاستكشاف أثر دخول عناصر مستقبلية على المجتمع , فإن هذه الدراسات لا تستبعد إمكانية استكشاف نوعية حول حجم التغيرات الأساسية الواجب حدوثها في مجتمع ما حتى يتشكل مستقبله على نحو معين منشود (عبد المعطي , 1990: 107-108) , وتبدو هذه النقطة الأخيرة على جانب كبير من الأهمية , لأنها تقتضي توفر وعي ناضج بالمستقبل , يعتمد على معرفة علمية نظرية ومنهجية , لا بالتغير كما حدث , ولكن التخطيط لإحداثه بوعي (سعد الدين , 1982: 24-25) .

أما الإشكالية الثانية , فتتلخص في أنه ليس ثمة مستقبل واحد بل مستقبلات , وفي حالتنا هناك مستقبل "الدولتين لشعبين" , "الدولة الديمقراطية العلمانية" التي تجمع "الشعبين" لكنها غير مستندة إلى مفهوم "القوميتين" , وخيار "الدولة ثنائية القومية" , وخيار "الدولة التي تجمع فلسطين (الانتدابية) التاريخية , مع الأردن في اتحاد فيدرالي" , وهو خيار هذا البحث , إلى جانب خيارات أخرى كالحكم الذاتي للشعب الفلسطيني في الداخل , أو خيار الحكم الذاتي الثقافي لشعب فلسطين في دولة إسرائيل , أو خيار إبقاء الأمر على ما هو عليه حالياً , ... الخ ؛ وكل هذه المستقبلات تتراوح بين المحتمل والممكن والمفضل أو المرغوب فيه مشروط بظروف وعوامل تاريخية مجتمعية وحضارية , باعتبار أن الفكرة الأساسية التي تنهض عليها هذه الدراسة , هي أنه من موقع الحاجز الزمني , يوجد أكثر من مستقبل بديل , وأنه يمكن لنا كبشر أن نعمل على تعيين أي من هذه البدائل سيكون هو المستقبل , وهي تجعلنا أكثر استبصاراً لصناعة مستقبل شعوبنا (فرجاني , 1981: 21) , وقيادة التغيير في هذا الاتجاه هي الاجتهاد في تحويل محتملات معينة إلى ممكنات سعياً على مفضلات متفق عليها , وتجديد المحتمل يحتاج إلى علم مستقبلي , كما أن توصيف الممكن يحتاج إلى فن مستقبلي , وتوضيح المفضل يحتاج إلى سياسة مستقبلية ؛ وهذه الإشكالية تدعونا إلى التحرر من بعض المسلمات القديمة وما أكثرها , والتي تقوم جميعها على أن هناك مساراً واحداً محتوماً للمستقبل تبنى عليه كل أحلامنا وأهدافنا وتخطيطنا (زاهر , 2004: 68) , هذا المستقبل المحتوم يتجسد في "إنهاء دولة إسرائيل المحتوم" , وهو مسار يقوم على نفي الآخر وعدم الاعتراف به انطلاقاً من رؤية ذاتية مثالية مقيتة , قد تجد مشروعيتها في التاريخ بوصفه كينونة ساكنة لا تتحرك , وليس بوصفها سيرورة وفعل متحرك , وهذه رؤية لا تعدو كونها رؤية سلفية أو "قومجية" لا تخدم أي مستقبل نفضله أو نطمح إليه قولاً وعملاً , خاصة وأن عدد سكان إسرائيل اليوم من اليهود دون الفلسطينيين تجاوز خمسة ملايين نسمة , ورغماً عن هذا , تبقى الرغبة في وجود مستقبل مشرق هو القوة المنتجة للمستقبل وهي القوة الدافعة للتنظيم الذاتي .

والإشكالية الثالثة , تؤسس على قناعة مؤداها أن دراسة المستقبل لا يتسنى لها أن تصبح متكاملة إلا إذا نظرنا إلى هذا المستقبل من خلال عدسات مختلف التخصصات , وأن يكون معيانته مختلفة مـــن حيث الزمن , باعتبار أن الدراســـات الجادة للمستقبل تتكامل فيها أشكال مـــن المعارف والمناهج , التقليدية وغير التقليدية , ومحملة بأكثر من تخصص علمي , فهي في الأساس دراسات بينية في معظم تصوراتها . لذا , لا يجوز وضع سيناريوهات للمستقبل دون أن نضع في الاعتبار كافة عوامل النسق الاجتماعي الاقتصادي - الحضاري المؤثرة  , إذ أن جميع هذه العوامل تتبادل التأثير والتأثر (زاهر , 2004: 68-69) , خاصة وأننا نناقش بدائل مصير مجتمع في البنية الكلية , الأمر الذي يستلزم دراسة التفاعلات والعلاقات الجدلية بين مكونات هذه البنية الاجتماعية , وبين غيرها , من عوالم تشاركها المرحلة التاريخية , ووحدة المصالح وصراعاتها , سواء كانت هذه العوامل , طبيعية , أو نظماً إقليمية أو دولية (عبد المعطي , 1990: 105) .

أما الإشكالية الأخيرة , فتتحدد في أن النظر إلى المستقبل يُشّوشه تماماً , كما أن النظرة إلى الذرة يغيرها , والنظر إلى الإنسان يحوله , وهذه الإشكالية تواجه العلوم الإنسانية والاجتماعية بخاصة , ولكن هذا لم يمنع من المجازفة بدراسة الإنسان والمجتمع عبر مفهومات ونظريات وقوانين سعياً نحو الاقتراب الحثيث من الحقيقة . حقيقية بلورة رؤية مستقبلية لحل المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية , والعربية - الإسرائيلية وفق منظور يضمن التعايش للطرفين على أرض فلسطين التاريخية , في إطار دولة اتحادية فيدرالية , وذلك على ضوء عدم قدرة أية من الرؤى والمقاربات التي طرحت ولا زالت تطرح من إيجاد حل عادل ودائم وشامل لهذا الصراع التاريخي , لذا , وجب التفكير والتخطيط والعمل على هدى الدراسات المستقبلية التي تتخذ أحد سبيلين :

أولهما - ينطلق من الحاضر بمواصفاته وتشكيلاته إلى المستقبل ليسوق لنا مشاهد أو سيناريوهات "اتجاهية" هي امتداد للماضي والحاضر , وهو ما يُعرف بالمقاربة الاستكشافية , وهي التي تتسم بالامتدادية غير المبدعة , باعتبارها تعيد إنتاج الحاضر في تحليلها النهائي .

وثانيهما - ينطلق من حاجات وأهداف مستهدفة ومرغوب فيها تتساقط علـــى الحاضر مـــن المستقبل , لتبحث في هذا الحاضر عن عناصر تحقيقها , وهو ما يُعرف بالمقاربة المعيارية أو الاستهدافية , وهي التي تتسم بالإبداع مع جنوحها إلى الخيال , وكلاهما يشوش المستقبل . لذا ظهرت مقاربة أخرى , وهي مدخل أو مقاربة مركبة من المقاربتين السابقتين الاستكشافية (الأكثر دقة) والمعيارية (الأكثر خيالياً) وتعظيم كل منهما (زاهر , 2004: 69-70) ؛ أي رؤية المقاربتين في تداخلهما وارتباطهما مع بعضهما البعض ببعد جدلي مبدع وخلاق , باعتبار أن أحدهما ضد الأخر أو في مواجهة معه , فالمقاربة المعيارية لمستقبل معين مرغوب فيه تبنى عادةً على مقاربة حدسية استكشافية تدعي أن المستقبل المذكور يمكن تحقيقه . وبالمثل فإن مقاربة حدسية - معيارية تدعي أن الناتج سوف يكون مرغوباً فيه أو عنه إذا تم تحقيقه . (زاهر , 2004: 53) .

بناء على هذه الرؤية وانطلاقاً منها , ستناقش هذه الدراسة مجموعة الطروحات التاريخية السابقة والتي مثلت رؤى فلسطينية وعربية , بل وإسرائيلية لحل المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية , وهي في مجملها تمثل سيناريوهات مرغوبة ومفضلة لكنها لم تتحقق , ولم يكن بالإمكان تحقيقها لأسباب وعوامل تاريخية موضوعية وذاتية ؛ فكانت كل المحاولات الفلسطينية والعربية محدودة ومحددة بميزان قوى دولي ومحلي لم يساعد مطلقاً في وضع نهاية لهذه المأساة - التراجيديا- للشعب الفلسطيني والتي اقتربت وربما تجاوزت قرن من الزمن , وهي مازالت قائمة حتى اللحظة الراهنة مؤثرة على المنطقة واستقرارها الكلي , بوصفها "جوهر" قضاياها التحررية والاستقلالية الوطنية والقومية , وهي بشكل أو بأخر , تمثل "الخبز" السياسي اليومي للحكام والمحكومين معاً , لكن كل وفق منظاره ورؤيته التي تجسد مصالحه الطبقية , السياسية والاقتصادية والاجتماعية , لذا تحولت القضية الفلسطينية إلى عنوان التحرك والحراك , الاتصال والتواصل , الدائم بين الدول العربية فيما بينها , وهذه مع دول العالم , والشعب الفلسطيني وقيادته , هم دون شك فاعل نشيط ومؤثر إن لم يكن "مقرر" لهذه التحركات والاتصالات الرسمية والشعبية , عله يجد حلاً لمسألة طال انتظارها وهي ما زالت معلقة بين الإمكان والواقع , بين المرغوب والمرفوض , بين الحكم الذاتي والدولة المستقلة .

الرؤى والطروحات السابقة - مقاربة نقدية

سنتناول في هذه الدراسة الطروحات والرؤى التاريخية القديمة للحل , إلى جانب ما هو مطروح حالياً على أجندة "العملية السلمية" والمعوقات التي حالت دون تحقيق أي منها , لنقدم لاحقاً رؤية مستقبلية مقترحة , علها تمثل أفقاً واعداً , مرغوباً ومفضلاً للعمل عليه بوصفه حلاً مبدعاً خلاقاً للمسألة الفلسطينية - الإسرائيلية التي طال أمدها,  فكيف نشأت وتطورت فكرة الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي الفلسطيني ؟ وما الظروف التي أحاطت بها كرؤية فلسطينية إستراتيجية لحل المسألة المطروحة ؟ علماً بأن ما سنطرحه سيتميز برؤية نقدية وفق منهج جدلي لمحاكمة الظواهر في سياقها التاريخي , ومعطياتها المحددة , مما يفرض علينا ضرورة وضع العوامل المختلفة في الاعتبار عند تحليلنا وتفسيرنا لهذه القضية الصراعية والحكم عليها , على أن نستفيد قدر المستطاع من البحوث والدراسات السابقة , والرؤى الجديدة المقدمة بخصوص المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية , علنا نخرج بتصور (سيناريو) يمثل رؤية مستقبلية بديلة , مرغوبة ومفضلة للعمل عليها .

رؤية ما قبل نكبة عام 1948- دولة فلسطين العربية

تعود جذور الفكر السياسي الفلسطيني وتمايزه عن حاضنته القومية العربية إلى بداية بلورة الحركة القومية العربية في مطلع القرن العشرين , وذلك بحكم ما كان يتهدد فلسطين من "خطر الضياع" بفعل الهجرة والاستيطان اليهوديين , وهو أمر تميزت به فلسطين , عن شقيقاتها العربيات , إلا أن التفكير الفلسطيني لم يصل إلى حد القطيعة مع محيطه القومي العربي بقدر ما كان محاولة لإبراز البُعد الخاص "الوطني" للحركة العربية في فلسطين , والتشديد على اعتمادها على نفسها في مواجهة الخطر الذي يتهدد البلاد (الشريف , 1995: 210) , لذا فإن التخوف من الخطر الصهيوني قد أضفى على الحركة القومية العربية في فلسطين طابعاً خاصاً , ساهم في الإرهاصات الأولى للوطنية الفلسطينية , إلا أن هذه الوطنية بقيت مندمجة حتى مطلع العشرينات من القرن العشرين في الحركة القومية الجامعة التي جسدت طموحات العرب - خصوصاً في المشرق العربي - إلى التحرر والتوحد في إطار دولة واحدة (الشريف , 1995: 25) , وبقي الأمر على حاله حتى انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث في مدينة حيفا في ديسمبر/ 1920 , ودعا إلى تشكيل حكومة وطنية فلسطينية تكون مسئولة أمام مجلس نيابي منتخب من السكان الذين وجُدوا في البلاد قبل الحرب العالمية الأولى , وهذا يعني أن كل المهاجرين اليهود الذي قدموا إلى فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى ليسوا مواطنين ولا يحق لهم الانتخاب , وبالتالي يبرز في هذا الطرح توكيد على الهوية العربية الخالصة لفلسطين الانتدابية .

وقد لا نجانب الصواب إذا أرجعنا بداية نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى العام 1918 , وبالتالي بداية تمايز الفكر السياسي الفلسطيني عن محيطه العربي (حوراني , 2000: 3) ؛ وهو تمايز لا يعني القطيعة بين فكرين , حيث واصلت الحركة الوطنية الفلسطينية , حتى بعد أن تشكلت لها أطرها الخاصة بث أطروحات الفكر الذي انبثق فكرها منه , وأعلنت تمسكها بالدعوة إلى الوحدة العربية , وخصوصاً الوحدة السورية , لأن التمايز بين الفكريين يعود أساساً إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية , وتجزئة البلاد العربية والشروع في تأسيس الوطن اليهودي في فلسطين , وتوطد الوجود البريطاني المؤيد للمشروع الصهيوني (المصري وآخرون , 2005: 114) . كل هذه العوامل هي التي ميزت قضية فلسطين عن القضية العربية الواحدة , وأنشأت الظروف التي أوجدت بداية التمايز الفلسطيني , كما أن الأمر لم ينطوِ على تمايز المصائر , بل - أيضاً - على طبيعة الاهتمام , وهو تمايز نجم عن الاختلاف في طبيعة الخطر الذي هدد كل جزءٍ , حيث تميز الوضع الفلسطيني وحده بمواجهة خطر مزدوج : الاستعمار التقليدي البريطاني , إلى جانب الاستيطان الإجلائي الإحلالي الصهيوني (الذي يستهدف إجلاء الشعب الفلسطيني وإقصائه عن أرضه وإحلال اليهود الوافدين بدلاً منه) ؛ لذا تميز الفكر الفلسطيني بما يتميز به (حوراني , 2000: 4) , وسار مصير الفلسطينيين سيراً معاكساً تماماً للاتجاه العام نحو ظهور دول وطنية قومية جديدة في أوساط العرب وغيرهم من الشعوب على أثر تفكيك الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة , وكانت فلسطين جزءاً من وحدات إدارية عثمانية أوسع شملت أيضاً سوريا ولبنان وشرق الأردن . وقد تحولت هذه الأجزاء , باستثناء فلسطين , إلى كيانات دستورية قائمة بذاتها في (1920-1921) , وحصلت على استقلالها رسمياً في وقت لم يتعد سنة 1946 ... كما اختلف - نتيجة السياسة البريطانية والمطامع الصهيونية - سياق التطور السياسي للمجتمع الفلسطيني بعد الحرب العالمية الأولى اختلافاً جذرياً عن السياق الذي توفر لدى الدول الوطنية / القومية الناشئة في الأقاليم العربية , وتـــم تقديم هذه الدول العربية كمصدر ومرجع للهوية الوطنية أو للقومية الجديدة , وهي عملية شجعت النخب القائمة عليها بقوة ونشاط في محاولة منها , وبمساعدة أوروبية , لترسخ سيطرتها الاجتماعية ضمن حدود الجغرافيا الجديدة , وكمُّن في سياق هذه العملية تَكُّون النزعة الوطنية القطرية أو الوطنية الدولانية (صايغ , 2002: 42-44) .

وعلى الرغم من أن ظروف التجزئة الاستعمارية , التي فرضت على المشرق العربي في أعوام 1920- 1921 , قد أدت إلى انكفاء القومية العربية نسبياً وانطلاق الوطنية الفلسطينية وتألقها إلى حد ما على المسرح السياسي , فقد بقي التوجه القومي الوحدوي حاضراً في إطار الفكر السياسي الفلسطيني الباحث عن الدولة المستقلة طوال سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين , الأمر الذي عكس نفسه على طبيعة الطروحات والرؤى الفلسطينية في إقامة الدولة الفلسطينية العربية ,وليس دولة فلسطينية لمواطنيها , وبقي التأكيد على عروبة فلسطين وما زال هو السمة الأبرز في الفكر السياسي الفلسطيني , وهو ذلك التصور الديمغرافي الفلسطيني المشكل من أثنيات وطوائف متعددة , حتى تحولت إحداها إلى "قومية بالقوة" , وصارعت الأصلية وأزاحتها وتموضعت بدلاً منها على أراضيها , وتحولت إلى أن تكون المواطنة الأساسية , كما تحول المواطن الأصلي إلى لاجئ في بلده وفي دول الشتات . لذلك , يمكن لنا أن نستخلص من المراجعة التاريخية , أن المرحلة الأولى من نضال الفلسطينيين ضد المشروع الصهيوني بدأت مع بداية القرن العشرين واستمرت حتى نهاية (47-1948) وهذه المرحلة يمكن نعتها بمرحلة تبلور الوطنية الفلسطينية , ورسم ملامح صورة الكيان الفلسطيني , وبداية تشكل نظام سياسي فلسطيني موحد ( نوفل , 2000: 17) .

وأخذت الحركة الوطنية الفلسطينية في تقديم رؤيتها للحل (القائم في أقصى حدوده) على إقامة حكومة عربية (فلسطينية) مسئولة أمام برلمان , إلا أن دولة الانتداب , بريطانيا , رفضت هذا الاقتراح (الطرح) الفلسطيني لصالح متابعتها توفير شروط إقامة الوطن القومي اليهودي , وفقاً لوعد بلفور عام 1917 , الأمر الذي أفشل أي تصور أو رؤية تتعارض مع الوعد البريطاني الذي تحقق فعلاً من خلال قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة تحت رقم (181) في نوفمبر 1947م , والذي أكد علـــى إقامة دولتين : فلسطينية عربية على مساحة (46%) مـــن إجمالـــي مساحة فلسطين , ودولة يهودية على مساحة (52%) , على أن تبقى القدس (2%) منطقة دولية . فقامت الدولة الثانية (اليهودية) , ولـــم تقم الأولى حتـــى اللحظة , وبقيت مطلباً منذ ذلك التاريخ وحتـــى اليوم , لكنها كانت تتأثر بطبيعة الفكر السياسي الفلسطيني الذي بقي مرهوناً لحاضنته القومية العربية حتى نهاية النصف الثاني من الخمسينات , محاولاً فك ارتباطه فعلاً في منتصف السبعينات من القرن العشرين رغم أن فكرة قيام دولة فلسطينية عربية , فيما أصبح يعرف بفلسطين كإقليم قائم بذاته قد طُرحت بُعيد انهيار الإمبراطورية العثمانية مباشرة , إلا أن هذه المحاولات قد تعثرت , وذلك على عكس نظيراتها في البلاد العربية المجاورة , الأمر الذي كان له تأثيرات بارزة في تنمية الهوية الوطنية , نظراً لعدم تجسد تلك الهوية في هيئة واحدة معترف بها , كما تعثرت محاولة القيادة الفلسطينية لتنمية الحس الوطنـــي القطري أو الوطنية الدولانية (صايغ , 2002: 48) , وتم هذا في الوقت الذي تمكن المستوطنون اليهود من إقامة دولتهم على (78%) من الأرض الفلسطينية , والتحول إلى دولة قوية في إطار النظام الدولي الحديث والشرعية الدولية , والتمدد عبر الاحتلال إلى بقية الأرض الفلسطينية (حجاوي , 2003: 39) .

وهكذا , بقيت الرؤية الفلسطينية "الرسمية" أسيرة الفكر التقليدي القديم المستند إلى الحق التاريخي لشعب فلسطين في أرضه , وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من "سوريا الطبيعية" أو جزء من جسد "الأمة العربية" دون أية قوة فعلية وعملية تسند هذا الحق وتحوله إلى واقع , بل بقي حقاً مجرداً مستنداً إلى قوة الحق نفسه , وهي رؤية قاصرة لم تستطع التقاط الجديد ممثلاً بموجات الهجرة الصهيونية المكثفة , والتي غيرت الطابع الديموغرافي لفلسطين الانتدابية , بحيث أصبح فيها (650) ألف يهودي ساعين إلى إقامة وطن قومي لهم على "أرض الميعاد" فلسطين , مدعومين بما أفرزته أيضاً الحرب العالمية الأولى والثانية من تنامي التعاطف مع اليهود على النطاق العالمي , ووصول عددهم إلى الرقم المذكور أعلاه , وتحولهم كذلك إلى قوة اقتصادية وسياسية كبيرة , امتلكت عدداً من المؤسسات الحديثة التي شكلت دولة داخل الدولة (الشريف ,2002 :25) , ومدعومة كذلك من قوى الاستعمار العالمي بريطانيا وفرنسا أولاً والولايات المتحدة الأمريكية لاحقاً , والتي عملت على زرع جسم غريب في المنطقة العربية , وذلك من خلال "حوسلة اليهود" كما يقول (د. عبد الوهاب المسيري) , وتحويلهم إلى جماعة وظيفية , عن طريق تأسيس دولة وظيفية , تجمع اليهود فيها باعتبارهم مادة استيطانية تسبب مشاكل أمنية إن بقيت داخل العالم الغربي , لكنها تستطيع أن تزيد نفوذه إن نُقلت خارجه وتحولت إلى مادة قتالية تحوسل لحساب الغرب داخل نطاق الدولة الوظيفية (المسيري ,2000 :289-302) لضرب المشروع القومي العربي وقواه التحررية الرافعة له ؛ لإبقائها مجزأة تتجه بولائها إلى قطريتها المستحدثة على حساب قوميتها وعروبتها . وإمعاناً في قصر النظر لدى القيادة الفلسطينية , وكردة فعل ربما غير مدروسة وغير منسقة ومستعجلة , أعلنت تشكيل حكومة عموم فلسطين التي تم وأدها عملياً في مهدها , وتحولت إلى سراب , وتوزعت باقي الأراضي الفلسطينية وهي (22%) من المساحة الكلية على الأردن ومصر , وبهذا اختفت فلسطين كوحدة إقليمية سياسية , واختفت معها فكرة الدولة نتيجة انهيار المجتمع السياسي الفلسطيني .

رؤية ما بعد 1948 : من الكيان الثوري إلى الدولة الديمقراطية

بقيت فلسطين بعد النكبة مجزأة إلى ثلاثة مناطق , واختفت كوحدة إقليمية جغرافية سياسية , وبالتالي لم يعد ممكناً الحديث عن استقلال فلسطين في دولة كاملة السيادة , لاسيما أن هذه الفكرة قد حُوربت من الأردن ومصر على حد سواء , وإن تمايزت رؤية مصر وتغيرت كلياً بعد ثورة 23 يوليو 1952 . وبقيت فكرة الدولة الفلسطينية طوال الخمسينيات من القرن العشرين غير قائمة حتى ظهرت حركة فتح عام 1958م – 1959م , كما ظهرت حركة الأرض داخل إسرائيل في أوائل الستينيات والتي دعت إلى قيام دولة فلسطينية عربية ؛ وفقاً لقرار التقسيم , لكنها لم تلبث أن طُوردت , وانتهي أمرها بقرار عسكري من وزير الدفاع الإسرائيلي منع من خلاله وجودها , بينما أخذت حركة فتح تدعو على صفحات نشرة "فلسطيننا" إلى استرداد الضفة الغربية من الأردن وقطاع غزة من مصر لإقامة حكومة فلسطينية تقوم بمهمتين : مهمة استعادة الهوية الوطنية الفلسطينية للفلسطينيين , ثم مهمة "الكيان الثوري" الذي يحقق انطلاقة الثورة , فتحمي الدول العربية حدوده , وتقدم المساعدة للحكم الوطني المتمثل بهذا الكيان (الشعيبي , 1985: 119) , مع التأكيد على أن حركة فتح لم تكن تفكر في ذلك الوقت في الدولة , خاصة حينما أكدت بأنها لن تقبل بتقرير مصير فلسطين قبل أن تتحرر , وهو موقف متماثل مع رؤية الهيئة العربية العليا , وما تمخض عنها عام 1948 في شكل حكومة عموم فلسطين , بمعنى أن فكر حركة فتح فيما يتعـــلق بالدولة هـــو امتداد لما سبقـــه , وإن اختلفت المسميات (Francis Boyle, 1988:15-43) , وبقى الأمر على هذا الحال عملياً ؛ حتى أخذت جامعة الدول العربية بدءاً من عام 1961 حتى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 تبحث في العديد من الصيغ والسيناريوهات ؛ لإبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية المستقلة , كمدخل لابد منه لإحباط مساعي إسرائيل المتواصلة على الساحة الدولية لتصوير الصراع في المنطقة باعتباره صراعاً بينها وبين الدول العربية المجاورة , على أنه نزاع حدودي (لوري , 1991: 59) .

ورداً على الطروحات الإسرائيلية , أكدت القمة العربية الأولى (عام 1964) , على إيمانها "بحق الشعب الفلسطيني المقدس في تقرير مصيره , والتحرر من الاستعمار الصهيوني لوطنه" , ودعمت تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية التي أقرت "الميثاق القومي الفلسطيني" و "النظام الأساسي" للمنظمة , واللذان أكدا على أن "فلسطين وطن عربي تجمعه روابط القومية العربية بسائر الأقطار العربية التي تؤلف معه الوطن العربي الكبير , وحددت فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني بوصفها "وحدة إقليمية لا تتجزأ" , ورفض قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل , واعتبرتهما "قرارين باطلين من أساسهما" , مؤكدة في نفس الوقت على أن اليهود الذين هم من أصل فلسطيني يعتبرون فلسطينيين , إذا كانوا راغبين بـــأن يلتزمـــوا العيش بولاء وسلام فـــي فلسطين ؛ دون تناول فكرة الدولة الفلسطينية ولا الحديث عنها , وبقي الوعي الكياني الفلسطيني "ملتبس" و "متناقض" ؛ لأن م.ت.ف , لـــن تمارس أية سيادة إقليمية على الضفة الغربية وقطاع غزة , مركزة فقط على تحرير فلسطين (ماهر الشريف , 1995: 103-105) , وبقي الأمر على حاله حتى وضعت حرب 1967 نهاية لهذا الوضع الشاذ في الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في تلك الحرب , وفرضت وضعاً شاذاً آخراً , وإنما أقل إشكالية وأكثر وضوحاً بقدر تعلق الأمر بمسألة الدولة , حيث عاد وضع الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عام 1967 إلى ما كان عليه قبل عام 1948 .

وبناءً على الوضع الجديد , برزت عدة دعوات لمعالجة الوضع , وكان منها مشروعي (موسى العلمي)  , و(محمد أبو شلباية) اللذان دعيا , كل منهما لوحده , إلى ضرورة أن تتحمل الأمم المتحدة مسؤولياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة , وذلك لمدة خمسة أعوام , يصار بعدها إلى إجراء استفتاء عام بين السكان بشأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة , أو إقامة اتحاد فيدرالي مع الأردن (Alain Gresh, 1988: 78-88) , كما طرح فاروق القدومي بعد شهرين فقط من انتهاء الحرب , ضرورة إقامة "دويلة" فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في حالة إعادة إسرائيل لهذه الأراضي , إلا أن ذلك الطرح , قد تم رفضه في الهيئات القيادية لحركة فتح (صلاح خلف , 1991: 219) , وبعد فترة وجيزة انعقد المؤتمر الثالث لحركة فتح عام 1968 , وأقر فكرة الدولة الفلسطينية الديمقراطية في كل فلسطين (العلمانية) كهدف استراتيجي للنضال الوطني الفلسطيني , وهي فكرة جديدة قديمة أملتها تكتيكات حرب عام 1967م , ونتائجها المأساوية , كما تم طرح هذه الفكرة من قبل الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين , وإن اختلفا مع حركة فتح ومنظمة التحرير في الشق المتعلق بماهية هذه الدولة وجوهرها العلماني الذي رفضته فتح كما لم تتبناه المنظمة , واعتبرت العلمانية نبت لا يتناسب مع الأرض العربية , وأكد الجميع على أن هذه الدولة ستقوم في فلسطين من خلال الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية دون سواهما , على أن تضم هذه الدولة المنشودة إلى جانب الفلسطينيين العرب , كل اليهود الذين يقبلون بالعيش فيها باعتبارها دولة عربية , وتشكل جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية , لكنها دولة لا طائفية ولا علمانية , لأن الأخيرة بعيدة عن ثقافتنا , ولن تكون دولة ثنائية القومية , علماً بأن اللغتين العربية والعبرية لغتان رسميتان للدولة (شفيق الحوت , 1973: 5-21) . وفي هذه الرؤية تتبدى اليوتوبيا الفلسطينية المتأثرة بالفكر القومي المغلق بأنصع صورها السياسية , لا سيما أن هذه الطروحات لم تلحظ المعطيات المادية الجديدة التي طرأت على فلسطين الدولة الديمقراطية , فلسطين الانتدابية من ناحية ديموغرافية , ومن ناحية الواقع المادي التي تمثله دولة إسرائيل المتقدمة والمتطورة جداً , إلى جانب بلورة "القومية الإسرائيلية" وبناء "الأمة الإسرائيلية" من خلال مفهوم (الأمة/ الدولة) , أي بلورة الأمة الحديثة في دولة , وإقامة الدولة يعزز بناء الأمة , وبالتالي إن طرح الدولة الفلسطينية الديمقراطية , يعني إزالة دولة إسرائيل وإنهائها , وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية بدلاً منها , كما لم تحل مشكلة السكان اليهود الذي وفدوا إلى هذه الدولة بعد تأسيسها , وفي هذا كله تكمن اليوتوبيا واللامعقول , الأمر الذي تم التخلي عنه عملياً ونظرياً بعد حرب أكتوبر 1973م , ومن ثم التحول إلى رؤية جديدة تقوم على "المرحلية" في النضال الوطني الفلسطيني , والتي حددت معالم طور جديد في الفكر السياسي الفلسطيني تجاه الدولة المستقلة بعد أن تبين بكل وضوح وجلاء أن شعار الدولة الديمقراطية يقع في إطار المتخيل أكثر , مما هو واقعي , ولاسيما وأنه يتناقض تماماً مع قرار التقسيم (181) , أي مع الشرعية الدولية التي يستند إليها في كثير من الجوانب النضال الوطني الفلسطيني , وبالتالي هذا الشعار يعني التصادم مع الإجماع الدولي , وإنهاء دولة موجودة على الأرض تمثل مصالح "شعب إسرائيل" أو "دولة يهودية" تمثل مصالح اليهود , كل اليهود , في العالم وفقاً لتعريف هذه الدولة لنفسها , كما أنه شعار لا يعني دمج اليهود في إطار دولة ديمقراطية علمانية , "ثنائية القومية" بل يعني إنهاء "قومية" بشكل كلي وتعسفي مبني على الإكراه والقوة غير المتوفرة أساساً لدى أهل هذا الطرح , كما تبين أن هذا الشعار لا يحل المسألة اليهودية , ولا يجد حلاً لوجود "التجمع اليهودي" في فلسطين , بل جل ما يطرحه شعار الدولة الديمقراطية يقوم على إدماج اليهود بوصفهم "أقلية دينية" في حين أنهم لم يعودوا كذلك , حيث أصبحوا هم الأكثرية على أرض فلسطين التاريخية , مما جعل ويجعل شعار الدولة الديمقراطية بمفهومها القديم مستحيلاً .

من الدولة الديمقراطية إلى السلطة الوطنية

أعلن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية في تموز 1973 , رفضهم للاحتلال الإسرائيلي , وجميع الإجراءات التي اتخذتها السلطات المحتلة لتغيير معالم البلاد وكيانها السياسي والجغرافي , وطالبوا بإنهاء الاحتلال بجميع صوره , كما طالبوا بحقهم في تقرير المصير وسيادتهم على أرضهم وفقاً للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة (الشعيبي , 1985: 268) , بل وتعمقت الرؤية السياسية لسكان الأراضي المحتلة عام 1967 بعد حرب أكتوبر 1973 , وأكدوا عبر رسائلهم لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ضرورة السعي الحثيث لإشراك المنظمة في مؤتمر جنيف "لضمان إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس الشرقية" , لأن قيام الدولة الفلسطينية سيجبر إسرائيل على رسم حدودها , التي أدى عدم تحديدها إلى انتشار الاستيطان (Alain Gresh, 1988: 135).  وتجلت الرؤية الجديدة لأهل فلسطين المحتلة حينما انعقدت الدورة الثانية عشر للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 , وإقرارها لبرنامج النقاط العشرة , تلك النقاط التي كانت تجسيد لحقائق سياسية أفرزتها حرب أكتوبر عام 1973 , وجعلت سقف النضال الوطني الفلسطيني يهبط بحيث لم يعد يتجاوز الضفة الغربية وقطاع غزة (الشريف ،29:2002) ، الأمر الذي شكل انقلاباً في الرؤى والمفاهيم والاستراتيجيات السياسية الفلسطينية .

لقد حملت النقاط العشرة (التي أقرها المجلس الوطني) في محتواها الكثير من الغموض , والتباين في مفرداتها ؛ مما يتيح للجميع تفسيرها و تأويلها وفق رؤيته , وموقفه ، خاصة وأن جوهر البرنامج يقوم على إقامة "سلطة الشعب الوطنية المستقلة و المقاتلة" ، وبالتالي فهذه السلطة ليست دولة، لأنها "مقاتلة" ، بمعنى أنها لم تعترف ولن تلتزم القرار (242) أو القرار (338) اللذان نصا على التفاوض مع  إسرائيل ، لكنها قريبة جداً من الدولة من حيث أنها "وطنية" ، بمعنى : أنها ستقوم في مكان يتحول بقيامها إلى "وطن" سياسي ، ثم أنها "مستقلة" ، والاستقلال سمة خاصة بالدول ( حجاوي ، 44:2003) ، وذلك ما أكده عرفات خلال زيارته إلى الأمم المتحدة وخطابه أمام الجمعية العامة ، حين دعا إلى تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة سلطته الوطنية المستقلة ، دون ذكر "المقاتلة" ، و"تأسيس كيانه الوطني على أرضه" ، أي دون أن يطالب بإقامة "دولة" ؛ واستمر الأمر تقريباً إلى عام 1977 ، حين استبدل المجلس لوطني "سلطة الشعب الوطنية المستقلة والمقاتلة " بصيغة أخرى أكثر واقعية ، وهي في نفس الوقت لا تحمل التباس أو غموض إلا في دلالتها الجغرافية ، وأكد على ضرورة استقلال شعب فلسطين في "دولة وطنية مستقلة فوق التراب الوطني" ، دون تحديد مكان هذه الدولة الجغرافي ، كما لم يتم الحديث عن دولة فلسطينية عربية ، بل فلسطينية "خالصة" (حجاوي ، 45:2003) ، واستمر الحال على هذه الصيغة حتى أعاد المجلس الوطني اصطفاف الأهداف الفلسطينية الثلاثة ممثلة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين ، وحق تقرير المصير ، وحق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة فوق التراب الوطني . في هذا التحديد تكمن دلالة جديدة لها علاقة بواقع الشعب الفلسطيني وتمزقه في ثلاثة تجمعات مختلفة بعد عام النكبة 1948 ، وأصبح يعرف هذا البرنامج ، بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، التي أصبحت بعد عام 1974 الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده ، وهي رافعة البرنامج المرحلي ، وقائدة نضال الشعب الفلسطيني .

من السلطة الوطنية إلى الدولة المستقلة

انطلاقاً من الانتصارات التي أخذت تحققها منظمة التحرير الفلسطينية لجهة تكريس تمثيلها الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده ، وانفجار الحرب الأهلية اللبنانية في نيسان/ ابريل 1975 ، ودخول القوات السورية إلى لبنان ، مما أدى إلي تصدع العلاقات العربية – العربية ، والفلسطينية – السورية ، واشتداد الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني على خلفية النقاط العشرة التي أقرها المجلس الوطني في دورته الثانية عشرة  ، أخد الفكر السياسي الفلسطيني يتصارع مع نفسه محافظاً على ميله العام نحو التغير الملحوظ ، حتى جاءت المصالحة العربية – العربية في مؤتمر القمة العربي الثامن في القاهرة في نهاية تشرين الأول 1976 ، ونتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في العام نفسه ، حيث وصل إلي سدة الرئاسة الديمقراطي جيمي كارتر ، والذي أبدى رغبة واضحة في تعزيز سياسة الانفراج الدولي وتحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو . كما أخد يطلق تصريحات سياسية جديدة تشجع مساعي التوصل إلى تسوية شاملة في إطار مؤتمر جنيف (الشريف ،254:1995) .

وبالتوازي مع ذلك كانت منظمة التحرير تحقق الانتصارات السياسية في المحافل الدولية ، لاسيما على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ، التي أسست إلى اندفاع القيادة الفلسطينية إلى "تأهيل" نفسها لتكون طرفاً فاعلاً في جهود التسوية التي أخذت الولايات المتحدة تتحدث عنها في صيغة مشروع سياسي سلمي متكامل ، يؤمن وطن (homeland) للفلسطينيين الذين قاسوا المعاناة خلال سنوات عديدة ، الأمر الذي ساعد على تثبيت التحول الذي كان يشهده الفكر السياسي الفلسطيني ، وذلك في ثلاثة اتجاهات رئيسية مترابطة ، وهي : الموقف من الكيان الفلسطيني ، والموقف من الآخر "الإسرائيلي" ، والموقف من المفاوضات ومؤتمر جنيف ، وجاء البيان المشترك بين الحزبين الشيوعيين الأردني والإسرائيلي في نهاية تموز ليسهم في بلورة الفكر السياسي الفلسطيني ، وتحديد مبادئه الأساسية ، حيث أشار الحزبان إلى عدة أسس تشكل أساساً للتوصل إلى "حل عادل وواقعي لأزمة الشرق الأوسط" ، وهي انسحاب القوات الإسرائيلية انسحاباً كاملاً من جميع المناطق العربية التي جرى احتلالها في عام 1967 ؛ احترام حقوق الشعب العربي الفلسطيني ، بما في ذلك حق تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية ، بما فيها القدس العربية ، وفي قطاع غزة ، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة بموجب قرارات الأمم المتحدة ، واحترام حق دول المنطقة جميعاً في الوجود المستقل ، في ظل السلام والأمن (الاتحاد ، 1976) ، وكانت رؤية الدولة المستقلة قد أقرتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في نهاية عام 1975 ، كتطوير لبرنامج النقاط العشرة .

ما تقدم من أحداث خلق الأرضية الموضوعية للتقارب الفلسطيني – الفلسطيني الذي انقسم في اتجاهين أحدهما يمثل القبول ، والآخر يمثل الرفض ، حتى التقيا في الدورة الثانية عشرة التي انعقدت في القاهرة بتاريخ 19/5/1977 ، فقد جاءت هذه الدورة لتعمق و تطور الفكر السياسي الفلسطيني فيما يتعلق بالمرحلية الفلسطينية ، حيث أكدت النقطة الحادية عشرة من الإعلان السياسي لدورة المجلس ، "على ضرورة مواصلة النضال من أجل استعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ، وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة فوق ترابه الوطني" , متجاوزة بذلك فكرة السلطة الوطنية المستقلة والمقاتلة التي أكد عليها البرنامج المرحلي عام 1974 ، كما خلا إعلان المجلس الوطني في دورته الثالثة عشرة من الإشارة إلى دولة فلسطين الديمقراطية ، لكنه (المجلس) لم يحدد جغرافية الدولة المستقلة التي يسعى لإقامتها الشعب الفلسطيني ، كما لم يوضح المعاني المقصودة من هذه المصفوفة (الأهداف) الثلاثية ، ولماذا جاءت بهذه الطريقة (المصري وآخرون ، 146:2005) .

وصاحب هـــذا الإعلان السياسي الفلسطيني المهم موقف ورؤية مـــن التعامل مـــع "الآخر" الإسرائيلي ، وبداية فتح علاقات مع القوى الإسرائيلية المعادية للصهيونية ، ولاحقاً إقامة علاقات مع القوى التي تؤيد حقوق الشعب الفلسطيني دون اشتراط معاداتها للصهيونية ، كما أصبحت هناك رؤية واضحة تجاه التسوية والمفاوضات ، لجهة استعداد المنظمة لخوض التسوية والمفاوضات كطرف مستقل في أي مؤتمر دولي للسلام على أساس البرنامج السياسي الجديد ، برنامج الدولة ، وحق العودة ، وتقرير المصير الذي أصبح الناظم الأساسي للفكر السياسي الفلسطيني ، وهكذا انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية من شعار السلطة الوطنية الفلسطينية المستقلة والمقاتلة إلي شعار الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني دون تحديد مكان وموقع هذه الدولة أو حدودها , حتى جاءت وانفجرت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في نهاية عام 1987 ، وانعقاد الدورة التاسعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988 ، وإعلانها استقلال فلسطين .

إعلان الاستقلال وخيار إنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي

بقيت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة غامضة وتائهة عملياً حتى انعقاد الدورة التاسعة عشر للمجلس لوطني الفلسطيني عام 1988 ، حيث مثلت أبرز محطات التحول الاستراتيجي في موقف منظمة التحرير الفلسطينية ، وذلك لجهة الأهداف أو وسائل تحقيقها (الأزعر 1030:2000) ، وبالتالي جسدت هذه الدورة تحولاً دراماتيكياً لكنه تراكمياً متمثلاً في "إعلان  الاستقلال" ، الذي استند إلى الحق التاريخي والطبيعي للشعب الفلسطيني أولاً ، والى الأساس القانوني المقرر بالشرعية الدولية وقراراتها ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية ثانياً ؛ وتم الإعلان عن قيام دولة فلسطين فوق الأرض الفلسطينية محددة القدس عاصمة لهذه الدولة ، وهو إعلان رغم شرعيته ومشروعيته إلا انه قد أثار الالتباس والغموض من جديد في الفكر السياسي الفلسطيني ، لجهة عدم تقرير حدودً هذه الدولة ، تاركاً إياها للاجتهاد ووفقاً للمعطيات المادية التي ستقررها ، مع توضيح أن الحدود القصوى لهذه الجغرافيا الدولانية الفلسطينية هي قرار التقسيم رقم (181) . وفي هذا تحول جديد كشأن التحولات المستمرة في الفكر السياسي الفلسطيني وإستراتيجية المقاومة منذ أواخر الستينات من القرن الماضي ، وبالتالي لم يكن ذلك التحول فجائياً ، بل يزداد هذا التحول عمقاً وتحديداً من خلال البيان السياسي الصادر عن نفس دورة المجلس الوطني التاسعة عشر ، والذي أزال الالتباس والغموض في إعلان الاستقلال ، حيث نص وبوضوح على أن الدولة الفلسطينية ستقوم على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1976 (بعد إجلائها) ، أي على مساحة 22% من فلسطين التاريخية ، وبالتالي فهي لن تشمل ما نص عليه قرار التقسيم (46%) ، وبناءاً عليه , طالب بيان المنظمة بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها بما فيها القدس الشرقية ، وأبدت استعدادها للتفاوض إذا كان هذا السبيل يؤدي إلي تحقيق المطلب الفلسطيني .

انطلاقاً من ذلك الإعلان والبيان السياسي المصاحب له ، برزت الكثير من التساؤلات عن الأسباب التي دعت منظمة التحرير إلى الإقدام على هذه الخطوة التي طالما تم رفضها (نظرياً على الأقل) بإصرار منذ ما قبل عام 1948 ، وبالتالي بدأت التفسيرات والتأويلات لهذا القبول الفلسطيني بين كون هذا الإعلان الصريح هو بمثابة الرد العملي على القرار الأردني بفك الارتباط مع الضفة الغربية الصادر في 31 تموز 1988 ، وبين من قال أنه استجابة للمعطيات الدولية الناتجة عن التبدل في سياسات الاتحاد السوفيتي منذ مجيء غورباتشوف إلى الحكم ، الأمر الذي أجبر المنظمة علـــى مراجعة سياستها بشكل جذري وجـــريء , والاقتراب مـــن سياسة الوفاق الدولي الجديدة ؛ وهناك من رد هذا الإعلان والقبول الفلسطيني الرسمي إلي الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في نهاية عام 1987 في الأراضي المحتلة عام 1967 ، بوصفها السبب الرئيسي في هذا التحول الدراماتيكي ، لا سيما وإنها ركزت في كل بياناتها التي تعكس رؤاها وسياساتها على مطلب الحرية والاستقلال المركزين في إقامة الدولة على حدود 1967 . وحقيقة الأمر ، ربما لعبت هذه العوامل الثلاثة أدوارها (إلى جانب عوامل أخرى ) في بلورة القرار الفلسطيني مع ترجيحنا إلى قوة وتأثير الانتفاضة على الفكر السياسي الفلسطيني عن باقي الأسباب والعوامل ، لا سيما وأن قيادة الانتفاضة في داخل فلسطين أخذت تسهم بشكل فعال في السياسات الفلسطينية وبالتالي في صنع القرار ، وذلك لأول مرة منذ عام 1967 ، وأخذت هذه القيادة تدفع بقوة تجاه تبني برنامج سياسي واضح المعالم وقابل للتنفيذ ، يتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي احتلت عام 1967 ، وهو البرنامج الذي طالما دعت إليه شخصيات الداخل الفلسطيني (حجاوي ، 46:2003) ، وقد تجلى الدفع الجديد في البيانات التي صدرت عن القيادة الموحدة للانتفاضة منذ أوائل عام 1988 ، كما تجسدت باللقاءات والتظاهرات التي شاركت فيها شخصيات فلسطينية مع قوى اليسار الإسرائيلي ، حيث دعت إلى تبني خيار "الدولتين لشعبين" على أرض فلسطين الانتدابية ، بالإضافة إلى الرسائل والمذكرات التي رفعتها قيادات الداخل الفلسطيني إلي القيادة الفلسطينية في الخارج سواء على مستوى التنظيمات الفاعلة , أو على مستوى م.ت.ف (15:1989، David McDowellall) .

ويضاف إلي ما سبق من تسويغات وتبريرات للقبول الفلسطيني عوامل وعناصر أخرى ، منها نتائج الغزو الإسرائيلي المكثف للبنان عام 1982 ، والتطورات التي تمخضت عنه ، وفي طليعتها اقتلاع قواعد المقاومة هناك ، واستشعار العزلة الفلسطينية عربياً ، والمرارة التي تخلفت عن بقاء المقاومة وحدها في مواجهة الغزو ، والتيقن من انحسار الصراع في النطاق الفلسطيني – الإسرائيلي ، بعد خروج مصر من المعادلة والصراع المسلح ، وعجز القيادة السورية من الإتيان بمعجزة عسكرية بمفردها مع إسرائيل ، وإدراك القيادة الفلسطينية بأن المنظمة وقضيتها الوطنية ، يمكن أن تتراجع على سلم الأولويات الإقليمية والدولية ، كما أن الوضع اللوجستي والعسكري والسياسي للمنظمة على بعد مئات الأميال من الجبهة ، لم يعد يسمح ً بالاستمرار في العمل المسلح ، ثم أن الواقع العربي برمته يعاني ضعفاً بالغاً ، فلا هو جاد في مواجهة إسرائيل ، ولا هو مستعد للسير وراء المقاومة إلى أهدافها الإستراتيجية (الأزعر ، 1031:2000) ، كل هذه العوامل مكنت الطرح الجديد ، أي هدف الدولة الفلسطينية المستقلة تحت سقف الشرعية الدولية ، من السيطرة على القرار الفلسطيني في المنظمة ، والانهماك في جدلية التسوية السياسية التي طرحتها أطراف عربية في قمة فاس بالمغرب ، والمؤتمر الدولي الفاعل (سلامة ، 1997: 167-182) ، وذلك بعيداً عن عمق التحول في الفكر السياسي الفلسطيني المتجه نحو تحويل الأهداف الوطنية المُمرحلة من حيز الإمكان الشكلي إلى الإمكان الواقعي وفق أولويات تتبوؤها الدولة المستقلة ، لكي تكون القاعدة الدافعة لتحقيق باقي الأهداف الوطنية ممثلة في حق العودة وتقرير المصير ، وكان ذلك مع عوامل أخرى من ضمنها حرب الخليج الثانية مقدمة إلى دخول التسوية السياسية في مؤتمر مدريد عام 1991 ، الذي جسد صيغة للحل ، وسقفها الحكم الذاتي بآفاق إقامة دولة بعد خمس سنوات وفقاً لمضامين أوسلو النظرية .. بل والاجتهادية الفلسطينية الطامحة .

اتفاقات أوسلو والثوابت الوطنية الفلسطينية

جاءت الاتفاقات الإسرائيلية – الفلسطينية في أوسلو 1993 ، لتعيد النظر في الثوابت الوطنية الثلاثة ، بل "لتعبث" بها وتختزلها في أحسن أحوالها إلى اثنتين لا ثالث لهما ، تمثلت الأولى في ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 بعد جلائها المفترض عنها ، وهو أمر مشكوك فيه حتى هذه اللحظة رغماً عن الكثير من المعطيات والمؤشرات الدالة على واقعية هذا الأمر ، لكن دون أن تكون الأمور المتعلقة بهذه الدولة وفق الرؤية الفلسطينية الحرفية ، لا سيما وأن اتفاقات أوسلو لم تشر إلى هذه الدولة (الحق والمطلب) لا بوصفها هدفاً نهائياً للمفاوضات ولا كإمكانية واقعية لهذه المفاوضات على أقل تقدير ، بل إن الأمر لا يعدو كونه اجتهادات ضمنية لهذه الاتفاقيات والتي تعززت مع خارطة الطريق التي تقوم على فكرة دولتين متجاورتين لشعبين التي طرحها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ، وتبنتها الرباعية الدولية ، والموافقة الفلسطينية العربية الصريحة عليها ، والتي تقابل "الموافقة المتموجة" و"المتأرجحة" لإسرائيل ؛ التي عملت ولازالت تعمل على إجهاض هذه الفكرة ، إن لم تكن في كليتها ، فهي بالحد الأدنى تسعى لأن تكون هذه الدولة على أراضٍ من 1967 ، وليس على كل الأراضي التي احتلتها في هذا العام ، وهذا الموقف نابع من قراءتها لقراري (224 ، 338) المُختَلف عليهما حول "أل" التعريف ، وهل المقصود منهما الانسحاب من أراض احتلت عام 1967 ، أم الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في هذه السنة ؟!

وارتباطاً بالأمر الأول المتعلق بالدولة الفلسطينية المستقلة ، يتم الحديث وبشكل دائم ومتواتر عن "حق العودة" الذي يطمح الفلسطينيون إلي تحقيقه وفقاً لقرار (194) ، والذي يتم اختزاله في التعويض فقط دون العودة ، وفي أحسن الحالات عودة  فلسطيني لبنان تحت مسمى إعادة لم الشمل للعائلات الفلسطينية ، ووفقاً لخطة إسرائيلية طويلة الأمد لا تقل في مدتها الزمنية عن عشر سنوات ، علها خلال هذه الفترة تستطيع "توطينهم" في أي بلد آخر غير لبنان ، لأن إسرائيل نفسها لها مصلحة بعدم "توطينهم" في لبنان لاعتبارات إستراتيجية مستقبلية مرتبطة بالمعادلة الطائفية اللبنانية الداخلية , والتي لها تداعياتها بالتأكيد على الصراع مع إسرائيل . لذا ، تسعى إسرائيل لحل هذه المعضلة - المأزق -  مقابل إنهاء الصراع التاريخي ، الأمر الذي لم يتحقق لا في اتفاقات كامب ديفيد (2) الفلسطينية – الإسرائيلية برعاية أمريكية ، ولا في طابا المصرية ، حيث فشل الطرفان في التوصل إلى حل ، وذلك لأن إسرائيل تعتبر عدم العودة , من المسلمات والبديهيات غير القابلة للنقاش ، مجرد النقاش أو الحوار حولها ؛ مع إبداء استعدادها للتعاطي مع حق العودة بوصفها أحد الأطراف الدولية المعنية لتقديم المساعدة في حل "مشكلة إنسانية" لا أكثر أو أقل ، باعتبار أن حق العودة الفلسطيني وفقاً لمضامين وتفسيرات قرار (194) يعني دمار دولة إسرائيل وإنهائها ، حيث ستتغير المعادلة الديموغرافية جذرياً لغير صالح إسرائيل ، وهذا أمر مستحيل إسرائيلياً ، وعلى كل الفلسطينيين والعرب والعالم ، أن ينسوا هذا الموضوع ، لذلك أخذت منظمة التحرير تطرح فكرة إيجاد "حل متفق عليه لمشكلة اللاجئين" وهي تعني عملياً الالتفاف على حق العودة ، والاكتفاء بمبدأ التعويض بدلاً من العودة ، الأمر الذي يعني بأن خيار الدولتين المطروح  حالياً لن يحل المشكلة جذرياً - كما أشرنا سابقاً - مما يعلل ضرورات البحث عن حل ينطلق من رؤية مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار الماضي والحاضر معاً وفق منهج تجاوزي جدلي علمي ، وهذا ما سنحاول تناوله لاحقاً .

ذلك هما الأمران اللذان يتم الحديث عنهما حالياً في المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية  تحت ما يسمى "بمفاوضات الوضع النهائي" ، أما فيما يتعلق بأبناء الشعب الفلسطيني المتواجدين في دولة إسرائيل ، فقد ظلوا خارج جدول أعمال المجتمع الدولي ، وهم خارج العملية السياسية السلمية ، ولم يأتِ ذكرهم في الاتفاقات المعقودة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ، ولازال هذا الأمر هو السائد في المفاوضات ، والسبب ، ليس فقط كونهم مواطنين إسرائيليين فنياً وقانونياً ، بل السبب الثاني هو رفض إسرائيل المطلق التعامل مع الشعب الفلسطيني ككل في الاتفاقات الموقعة مع الطرف الفلسطيني ، كما أن منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت محاصرة ومنهكة ، تصرفت إلى حد كبير ، بحسب الشروط الإسرائيلية ، والأسوأ من ذلك كما يقول (مصالحة) هو أن السبب الثالث لاستثناء الفلسطينيين الإسرائيليين من اتفاقات أوسلو نابع من الحقيقة المحزنة المتمثلة في أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ليس لديها أي تصور لمستقبل يضم الفئات الفلسطينية المختلفة التي يتكون منها الشعب الفلسطيني ككل, ويحقق تكاملاً بينها (مصالحة ،68:1994) . وبالتالي تم القفز عن حق هذا الجزء من الشعب الفلسطيني وتجاهل حقوقه التي تتجسد في تقرير المصير، حيث يقتصر حق تقرير المصير في البرنامج الوطني الفلسطيني على هذا التجمع الفلسطيني ، عدا عن كون هذا الحق يشمل كل الشعب الفلسطيني ، إلا أن ذكره بالتوازي مع إقامة الدولة الفلسطينية , والتي تعتبر أرقى أشكال تقرير المصير ، يعطيه خصوصية ، وهذه الخصوصية مرتبطة بوضع الفلسطينيين التي توزعوا على ثلاثة تجمعات رئيسية بعد النكبة عام 1948 ، وتم بلورة هذه التجمعات بحقوقها الثلاثة في العودة ، وتقرير المصير ، والدولة المستقلة بعد عام 1967 .

إن قراءة البرنامج المرحلي الفلسطيني وتأويله وتفسيره وفق رؤية نقدية هو موضوع دراسة أخرى ، إلا أن ما يهمنا هنا هو التوكيد على التسوية الجارية حالياً , والمعروفة بأوسلو , ليست قادرة على إنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي جذرياً وبشكل شامل ، وبالتالي فإن تسوية "الدولتين لشعبين متجاورين" ، لا تمثل الحل الأمثل للمسألة الفلسطينية على اعتبار أنها تمثل حلاً لجزء من الشعب الفلسطيني ، وليست لكل الشعب الفلسطيني ، لاسيما أنه يتم الالتفاف على حق العودة الذي تكفله الشرعية الدولية ، خاصة قرار (194) ، كما تم ولازال القفز عن حق تقرير المصير لأبناء الشعب الفلسطيني في دولة إسرائيل ، وتجاهل حقوقهم الوطنية ، وإبقاء مصيرهم مجهولاً ، الأمر الذي دفع هذا "التجمع الفلسطيني في دولة إسرائيل" للتفكير في مصيرهم ومستقبلهم ، باعتبار أنه من المؤكد لن يتم مناقشته خلال محادثات السلام الحالية (مصالحة ،69:1994) . وبهذا قد تم تناسي مليون وربع المليون فلسطيني دون الحديث عنهم ، رغماً عن التحول الذي طرأ على الفلسطينيين في دولة إسرائيل نتيجة "مسارات العصرنة والتسيس" ، التي كانت إحدى نتائجها الحتمية بروز الوعي الوطني الفلسطيني ، بالإضافة إلي الحس المتنامي بالانتماء إلي كفاح الشعب الفلسطيني ككل ، وتعمق هذا الأمر بعد الهبة الوطنية المتضامنة مع انتفاضة الأقصى ، حيث كنست هذه الهبة جيوب الذل ، ومنحت الهوية الوطنية صلابة وزخماً وتجربة جماعية ، وظهرت وحدة الأقلية القومية العربية كوحدة شعبية لم تعهدها في السابق ، مما جعل التراجع عن الهوية الوطنية القومية غير ممكن (بشارة ، 2000: 9-17) .

أمام هذا الحس الوطني المتنامي لأبناء الشعب الفلسطيني في دولة إسرائيل ، تعقدت المسألة وازدادت إلحاحية البحث عن حل جذري للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، لا سيما وأن المفاوضات خلال الفترة الفاصلة بين توقيع اتفاق أوسلو وانعقاد مفاوضات كامب ديفيد عـــام 2000 ، قد أظهرت الصعوبات الكبيرة التي تعترض فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران 1967 إلى جانب دولة إسرائيل ، وبخاصة في ضوء إصرار حكام إسرائيل على إبقاء القدس عاصمة موحدة لدولتهم ، والحفاظ على المستوطنات اليهودية ، ورفض الانسحاب من الضفة الغربية (الشريف ، 29:2002) .

البدائل والخيارات المطروحة لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة

يبدو أن الانطلاق في البحث عن الحل النهائي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وفق رؤية مستقبلية ، هو أمر مشروع ويستحق العناء والتفكير العميق ، وبخاصة في ضوء التعقيدات والصعوبات التي تنتج عن فكرة "الدولتين لشعبين" كخيار مطروح كما أشرنا في متن البحث ، كما أن هذه الفكرة تجد مشروعيتها أيضاً من عدم إمكانية – بل استحالة – بقاء الأمر على ما هو عليه حالياً ، أي صيغة "الحكومة الذاتية" أو صيغ أخرى مشابهة لها . وانطلاقاً من عدم جدوى الخيارين السابقين ، بدأت تبرز بين أوساط بعض المفكرين , والأكاديميين , والباحثين والسياسيين ضرورة البحث عن حلول "تضمن" إنهاء عملية الصراع التاريخية ، ويبدو أن هذه العملية أنتجت خيارين أساسيين يتم تداولها والبحث فيهما ، وهما خيار العودة إلي فلسطين الموحدة في ظل نظام ديمقراطي يكفل حقوق "القوميتين" "الفلسطينية" و"الإسرائيلية" ، وأخذت هذه الأوساط المهتمة بهذا الخيار تبحث في الشكل الدستوري الذي يمكن أن تتخذه فلسطين الموحدة ، أما الخيار الثاني فهو خيار الدولة "ثنائية القومية" على أرض فلسطين التاريخية ، وهما خياران مهمان سيتم التوقف أمامهما لمناقشتهما وتوضيح ما لهما ومـــا عليهما ، علنا نخرج برؤية مستقبلية أخـــرى نفترضها للحل ، وذلك على ضوء البحوث والدراسات السابقة التي تناولت هذا الموضوع .

خيار دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية الموحدة

بعد أن تم التخلي عن خيار الدولة الديمقراطية العلمانية الموحدة على أرض فلسطين التاريخية بصورة تدريجية ، عاد هذا الخيار من جديد , وذلك على ضوء "عدم قدرة خيار الدولتين في إيجاد حل شامل , وعادل , ودائم للصراع الدائر منذ ما يزيد عن قرن من الزمان" ، وأصبحت حل نهائي لهذا الصراع ، باعتبار أن التطور نحو حل القضية الفلسطينية يُّفضل أن يأتي من خلال توحيد فلسطين لا بالعودة إلى تقسيمها ، خاصة وان فلسطين قد أعيد توحيدها الجغرافي عقب حرب عام 1967 ، فلتبق موحدة ، بقطع النظر عمن وحدها ، وليبدأ كل حديث مستقبلي من نقطة وحدة فلسطين الجغرافية (الدجاني ، 19:1996) ، إلا أن هذا الحل ، وكما توحي الحقائق كلها ، يستلزم السلام بين كل يهود العالم وكل شعب فلسطين . في حين يؤكد (باروت ، 2002) أن عودة الفلسطينيين إلى حل الدولة الديمقراطية العلمانية ، التي شكلت أساس برنامج منظمة التحرير الفلسطينية قبل تبني الدولة المستقلة ، هـــو الأنبل , والأكثر أخلاقية وعدالة بمعنى التسوية التاريخية ، ولو كان العالم صحيح العقل لدفع تجاهه ، ويعود الباحث ليؤكد أن هذا الحل أقرب إلى طوبا منه إلى مشهد محتمل ، إذ لا يوجد سوى قوى محدودة حاملة له اجتماعياً في إسرائيل أو بين الفلسطينيين (باروت ، 19:2002) . أما فيصل دراج ، فيرى أن العودة إلى شعار قديم يفصح عن "الخيبة والأزمة في آن" ، "الخيبة  في سلام الشجعان " الذي غلبت فيه الحقيقة الدامية وهَم التشاطر وسياسة الارتجال ، مع أن هذا الشعار المفترض ، أي "الدولة الديمقراطية العلمانية" ، له نصيب من المعنى في سياق آخر , تعابيره الحرب والسلام والمساومة ( دراج ، 20:2002) ، ويناقش الكاتب هذه الفكرة على المستويين الفلسطيني والإسرائيلي ، حيث تعاني على المستوى الفلسطيني من نقطتين أساسيتين :

الأولى : لم يستطع جهاز منظمة التحرير ، ولن يستطيع على أية حال ، الركون إلى عمل سياسي مؤسساتي ، ولا التعرف إلى العمل السياسي كمشروع طويل الأمد يتضمن الوضوح والتهيب والانتقال النقدي من مرحلة إلى أخرى ، وبهذا المعنى ، فقد كان هذا الجهاز عاجزاً ، بنيوياً ، عن طرح شعار "الدولة العلمانية الديمقراطية" ، وإعطائه مضموناً مشخصاً ذا مصداقية ، أما النقطة الثانية : يستلزم الشعار المذكور ، إن كـــان معقولاً ومقبـــولاً ، حركـــة سياسية فلسطينية جديدة ، متحررة من الركام العملي والنظري الذي أنتجته منظمة التحرير (دراج ، 20:2002-21) . ويبدي الباحث خيبة أمله من إمكانية توليد جهاز سياسي عقلاني ومسؤول ، ويزداد تشاؤمه حينما يناقش معوقات هذا المشروع إسرائيلياً , ويقول إذا نقلنا شعار "الدولة العلمانية" إلى الجبهة الإسرائيلية ، نقف أمام عدة نقاط ، أولها : ليس في التربية الإسرائيلية الممتدة من قبل قيام دولة إسرائيل حتى اليوم ، ما يحتفي بالشعار المطروح أو يقبل به ، باعتبار أن هذا الشعار يقول بمساواة البشر ، وهو أمر لا يأتلف مع "التطبع الإسرائيلي" حيث أنتج هذا التطبع وهي النقطة الثانية ، عملياً ونظرياً ، هوية إسرائيلية محددة ، قوامها ديمومة الصراع العربي – الإسرائيلي ، حتى كان تراجع الصراع أو خفوت حدته يفضيان مباشرة إلى تهافت الهوية وتداعي المجتمع الذي ينتجها ويعيد إنتاجها من جديد ، أما النقطة التالية ، فهي كابوس "التكاثر الديموغرافي الفلسطيني" الذي يروع إسرائيل ، فهي تدرسه بدقة وإمعان ، وتلاحقه بالدراسات والاستنتاجات والأسئلة المتكاثرة ، لا سيمـــا العدد المندمج فـــي المجتمع الإسرائيلـــي الذي لا تناله الطائرات , ولا يمكن التعامل معه بالأسلحة البيولوجية الفتاكة من دون أن تطول أضرارها الإسرائيليين أنفسهم (دراج ، 2002: 21-22) .

كما يؤكد فيصل دراج بعد أن أوضح معيقات خيار "الدولة الديمقراطية العلمانية" أن المطلوب هو تطوير بديل فلسطيني قيمي ثقافي ، قوامه الوضوح والمصداقية ، يحاور جزءاً من المجتمع الإسرائيلي ، أو يقبل جزء من المجتمع الإسرائيلي الحوار معه ، بحثاً عن أفق مستقبلي يحاصر أزمة الطرفين أو يتجاوزهما ، والمطالبة بدولة يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون ويتمتعون فيها معاً بحقوق المواطنة من دون تمييز أو فروق ، وهذا يستلزم ، تخليق مشروع سياسي شعبي فلسطيني جديد ، له قيادة شعبية ديمقراطية ، وله منظور متطور يحتفظ بالهوية العربية ويترك داخله مجالاً للاعتراف بالهوية الإسرائيلية التي تقبل بالسلام والاعتراف بالهوية العربية (دراج ، 23:2002) ، وهذا المشروع – الخيار – لا بد أن ينبثق من وعي تاريخي فلسطيني جديد ، لا سيما وأن جدل المصداقية والدولة الديمقراطية ، يُسهم في تحويل الهويتين الفلسطينية والإسرائيلية في آن ؛ فلا تبقى الهوية الأولى كما كانت ، بعد أن تنفتح على لغة وثقافة جديدتين ، بل تغدو هوية تعترف بالمواطنة المحتملة دون أن تتخلى عن عناصرها الأولى . وتصبح الهوية الثانية هوية أخرى ، تتخلى عن معايير التفوق والسيطرة والإخضاع ، محتفظة هي الأخرى بالعناصر الموافقة عليها ، تتبدل الهويتان في حقل اجتماعي جديد ، مراجعه المواطنة والمساواة والاعتراف المتبادل ، إضافة إلى مراجعه التاريخية الأخرى ؛ لذا فهو يفصل بين المنطقي والتاريخي ، ويرى في "الدولة الديمقراطية العلمانية" إمكانية منطقية دون أن يرى فيها – لزوماً – إمكانية تاريخية ، وهذا ما يجعل من هذا الشعار اقتراحاً واقعياً ومتخيلاً في آن ( دراج ، 44:2002) .

وناقشت (الكرمي ، 2002) الحل القاضي بإنشاء دولة ديمقراطية علمانية بوصفه نظاماً قائماً على "صوت واحد لكل الناس" من غير الإشارة إلى المعتقد أو الإثنية ، ويتطلع إلى خلق مجتمع متعدد مساواتي على النمط الديمقراطي الغربي . ويعارض ترتيباً قائماً على جاليات منفصلة واحدتها عن الأخرى . وترى (الكرمي) بأن هذا الحل له من يعارضه ، باعتبار أن اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين لـــن يقبلوا الاندماج أبداً ، كما أن لإسرائيل مـــن القوة العسكرية ما يجعلها تفعل ما تشاء ، وبالتالي فإن الحل القائم على الدولتين ، سيقدم سبيلاً للسير قدماً ، وهو ما يمكن أن يتطور لاحقاً إلى وضع أكثر عدلاً – إلى فدرالية أو إلى اتحاد اقتصادي ، ويرى آخرون أن حل الدولتين هو الخطوة الأولى نحو حل قائم على دولة واحدة .

كما أن هناك من يتهم دعاة الدولة الواحدة بحرف الطاقات والانتباه بعيداً عما يمكن بلوغه (وهو دولتان) ، لصالح ما هو طوباوي ومستحيل (أي دولة واحدة) ، كما يحتج دعاة الدولتين بأن خلق دولة واحدة يطرح عوائق هائلة ، مثل ، كيف ستتحقق هذه الدولة ؟ هل سيكون لليهود "حق العودة" مثل الفلسطينيين ؟ ماذا ستكون طبيعة الدولة الهجينة التي قد تنشأ ، وكيف سيقبلها بقية العالم العربي ؟ هل ستكون عربية بشكل غالب وذات بعد يهودي ، أم العكس ؟ (غادة الكرمي ، 2002: 24-5) .

ويطرح (مخول ، 2002) أن الغبن التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني لا ينحصر في إسقاطات الاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1967 ، بل هو أساساً في نكبة عام 1948 . فقيام دولة إسرائيل هو في حد ذاته مركب أساسي من الغبن التاريخي المستدام ، أما جوهرها كدولة يهودية ودولة اليهود فيزيد من هذا الغبن (مخول ، 37:2002) ، ويتابع مخول ، إن التعويض الأمثل عن الغبن التاريخي هو دولة فلسطينية ديمقراطية في كل فلسطين التاريخية ، تضمن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأملاكهم ، وتعوضهم عن فترة اللجوء بشكل تام جماعياً وفردياً ، وسيضمن مركب "العلمانية" أن تكون الدولة , دولة مؤسسات ، مع فصل سلطات ، وفصل الدين عن الدولة ، (مخول ، 40:2002) , بينما يطرح (نفاع ، 2002) أن افتراض إقامة دولة ديمقراطية علمانية يعني نشأة ظروف أكثر إنسانية وأكثر ملائمة لحرية السكن والتنقل للعرب واليهود في كل جزء من الدولة ، مع أن الظروف الحالية لا تسمح ، لكن قد تأتي ظروف بعد إقامة الدولة الفلسطينية ويصبح أكثر واقعية أن تتطور الأمور إلى قيام دولة ديمقراطية علمانية وهو الأمر الأرقى ، ولكن الأبعد (نفاع ، 2002: 49-51) .

يبدو مما طرحناه بأن خيار الدولة الديمقراطية العلمانية ليس مرفوضاً ، بل يواجه صعوبات كثيرة ، خاصة عندما يتم مقارنته بالخيار الأخر ممثلاً "بالدولة الثنائية القومية" ، بوصف هذا الخيار هو الأنسب للواقع القائم في فلسطين الانتدابية ؛ ولكن يبقى خيار الدولة الديمقراطية العلمانية شعاراً يلجأ إليه أولئك الذين يتصورون قيام تعايش بين تجمعات دينية مختلفة في فلسطين المستقبل , ويرفضون الإقرار بأي صفـــه "قومية" للتجمع السكانـــي اليهودي فـــي فلسطين (الشريف ،28:2002) .

خيار الدولة الثنائية القومية

يقوم هذا الخيار على ادعاء أساسي , مؤداه , أن المسارات المتنوعة تحول الفصل السياسي (حل الدولتين) إلى حل يبدو أنه لا يمت للموضوع بصلة ، وأنه غير قابل للتطبيق ، وغير مؤهل للتعامل ، بصورة فاعلة ، مع المشكلة التي تواجهنا . إلي جانب أن أي حل ينطوي على تطوير ديمقراطية ليبرالية غير ممكن ، بسبب الطبيعة الاثنية للحركة القومية اليهودية وللحركة الوطنية الفلسطينية ، الأمر الذي لا يسمح بتطوير هوية مدنية مشتركة . لذلك ، فالحل الوحيد المتبقي ، الذي يسمح بتحقيق تسوية إسرائيلية – فلسطينية ، يجب أن يقوم على أساس إنشاء دولة ثنائية القومية ، إسرائيلية – فلسطينية ، في فلسطين الانتدابية (غانم ، 4:2000) . أي إقامة كيان سياسي ثنائي القومية ، ليس بالضرورة عبر خلق قومية جديدة كما حدث في جنوب إفريقيا بخلق القومية "الجنوب أفريقية" فنحن لا نستطيع أن نخلق قومية من هذا النوع في بلدنا . لكن في الإمكان الحديث عن مبنى سياسي ثنائي القومية يزول فيه نظام التفرقة العنصرية الموجود الآن في إسرائيل (بشارة ، 52:1996) . وأن هذا النظام لا يعني دولة ديمقراطية علمانية ، وإنما دولة ثنائية القومية ، أي نظام سياسي فيدرالي بين كيانين قوميين . وفقط في مثل هذا الإطار يمكن حل موضوعين مثل اللاجئين والاستيطان ، وهذا الأمر يجب أن يصبح مشروعاً حقيقياً إذا فشل مشروع الدولة تاريخياً ، ويجب أن يشكل الفلسطينيون في مناطق 1967 مع فلسطيني الـ 1948 كياناً سياسياً واحداً فلسطينياً ضمن كيان سياسي أكبر ثنائي القومية ، فيه كيان سياسي يهودي , وكيان سياسي عربي يشكلان سوياً كياناً سياسياً يهودياً عربياً ذا برلمان من ناحية , وبرلمان مشترك من ناحية أخرى (بشارة ، 52:1996) .

تجدر الإشارة هنا إلى أن جذور فكرة الدولة ثنائية القومية قد طرحت من قبل اليهود أنفسهم قبل أن تطرح من أي آخر ، وذلك في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وقد بدأت كجدل داخلي في الوسط اليهودي الذي ساورت نخبته الفكرية ، في البداية ، هواجس بشأن إمكان إيجاد أكثرية يهودية في البلد وإقامة دولة يهودية ، منفصلة ومتميزة عن العالم العربي ، وعن الأغلبية العربية في البلد . ورأوا في هذه الأغلبية المسلمة بأنها ليست معادية لليهود ، كما رأوا فيها جماعة قومية أخرى ، لا تقل مطالبتهم بالأرض شرعية عن المطالبة اليهودية . ومن هؤلاء المفكرين الذين طرحوا الفكرة ، يبرز إلياهو سابير ، ويستحاق ابشتاين ، ويوسف لوريا ، ونسيم ملول ، والحاخام بنيامين ، وجميعهم اقترحوا إقامة جيوب يهودية في المناطق التي لا يسيطر عليها العرب ، الأمر الذي يضع الأساس المادي لبناء مجتمعين ، جنبا إلى جنب ، وهذا الأساس سيصبح البنية التحتية لإقامة الدولة الثنائية القومية (غانم ، 2000: 6-7) . تجمعت هذه الأفكار التي طرحها المثقفون أول مرة ، لدى ظهور حركة "عصبة السلام" التي أسسها آرثر روبين سنة 1925 ، وكان روبين أول من تكلم بصراحة عن "أرض إسرائيل دولة للقوميتين" ، وبعمله هذا ، حول فكرة ابشتاين في بداية القرن العشرين ، بشأن الحق المزدوج للشعبين في أرض إسرائيل ، إلى فكرة عملية محددة (غورني ، 1981 : 150-151) ، كما اقترحت "عصبة السلام" النظر إلى سويسرا و فنلندا كنموذج أولي لدعواهما ، وطالبت بإنشاء مؤسسات ، مثل البرلمان ، حيث سيتمثل الشعبان بالتساوي الكامل ، من دون الالتفاف إلى النسبة العددية بين العرب واليهود ، وفي ذلك رداً عملياً على الأفكار التي طرحها الفلسطينيون حول إقامة مؤسسات على قاعدة التمثيل النسبي المرفوض صهيونياً ،  باعتبار أن اليهود أقل عدداً بكثير من الفلسطينيين ، إلا أن هذه الفكرة لم تتم نهائياً ، حيث أعاد تناولها بن غوريون في أوائل الثلاثينيات ، معلناً أن الدولة التي ستقام تستلزم الحفاظ على توازن بين اليهود والعرب ، بحيث لا يحكم اليهود العرب ، ولا يحكم العرب اليهود ، وقد تم تبني هذا الموقف في مجلس حزب مباي سنة 1931 (أميتاي ، 23:1988، نقلاً عن غانم : 8،2000) ، وفي الأربعينيات والخمسينات ، أثار فكرة دولة ثنائية القومية بصورة رئيسية "حزب العمال" الذي تأسس عام 1946 ، حيث أيد هذا الحزب ، في البداية ، إنشاء تجمع ثنائي القومية ، وتكلم لاحقاً عن "دولة ثنائية القومية" ، وهذا ما أكد عليه هذا الحزب في مؤتمره التأسيسي عام 1946 (اميتاي ، 21:1988) .

بعد تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 ، أخذت فكرة "الدولة ثنائية القومية" تتوارى وتتراجع باعتبار أن الهدف الصهيوني قد تحق ، إلا أن هذه الفكرة قد تم إحيائها مع العملية السلمية الحالية ، حيث يقول (أفنيري) : هل يمكن لدولة ثنائية القومية أن تؤدي مهامها ؟ هل يمكنها إنهاء النزاع ؟ ويجيب على ذلك قائلاً ، لا يمكن لهذا الجيل من اليهود ، يهود ما بعد الكارثة ، ولا الجيل القادم ، أن يقبلوا بمثل هذا الحل ، الذي يتعارض بشكل تام مع أسطورة إسرائيل وروح شعبها . لقد أقيمت الدولة ليتمكن اليهود ، أو جزء منهم ، من تقرير مصيرهم . أما الدولة ثنائية القومية فهي تعني القضاء على دولة إسرائيل ، وتعنـــي العودة إلى واقع شعب بلا دولة خاصة به في هذا العالم الواسع . ومن الجهة الفلسطينية ، فهناك فلسطينيون يتحدثون بشغف عن دولة ثنائية القومية ، ولدى بعضهم لا تعني هذه الكلمة القضاء على دولة إسرائيل ، ولدى البعض الآخر هي هروب من الواقع المر عن طريق الانغماس في حلم جميل من أجل العودة إلى البيت والبستان المفقودين ، لأن الأغلبية العظمى من الشعب الفلسطيني تود العيش ، في نهاية الأمر ، في دولة قومية مستقلة خاصة بهم ، تجسد الهوية المستقلة لهذه الأغلبية ، تحت علمها وحكومتها ، مثلها مثل أي شعب آخر ، لذلك تبدو فرصة قبول الشعبين لفكرة الدولة ثنائية القومية في المستقبل المنظور ، أقرب إلى الصفر . ويطرح (افنيري) حل الدولتين لشعبين مؤكداً أن "هذا هو الحل الواقعي ، الذي سيكسب الأحاسيس الوطنية لكل من الشعبين في قوالب عملية معقولة ، وفي نهاية الأمر ، تقليل الاحتكاك اليومي وبالتالي سيأتي بالمصالحة" ، أأاااأأأطمااااويضيف محذراً من هذه الفكرة باعتبارها "تخيف الأغلبية العظمى في إسرائيل ، التي تقترب الآن من فكرة الدولتين . الأمر الذي يجعل هذه المخاوف العميقة تدفع بغالبية الإسرائيليين إلى أحضان اليمين نهائياً ، لأنها تقدم لليمين سلاحاً فتاكاً ، وسيعتبرون فكرة الدولتين مجرد غطاء لنظرية المراحل ، التي تثبت بأن الهدف الحقيقي لمن يؤيد إقامة دولة فلسطينية هو القضاء على دولة إسرائيل" . لذلك يطرح أفنيري فكرة الدولتين المستقلتين وبحدود مفتوحة أمام تنقل الناس والبضائع ، وفق إطار متفق عليه ، استناداً إلى المعطيات الجغرافية والسياسية ، مما سيؤدي إلى تواصل عضوي ، ربما يكون إطاراً فيدرالياً ، وبعد ذلك – إذا أراد الطرفان – يكونان اتحاداً إقليمياً كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي ، وربما ينشأ في المستقبل جيل جديد لدى الطرفين ، تكون لديه النية في العيش في دولة مشتركة . (مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية ، 2007) .

أما (هنيغبي) ، فقد كتب مقالاً في جريدة هآرتس الإسرائيلية طرح فيه فكرة دولة واحدة لشعبين ، دولة شراكة ، دولة ثنائية القومية ، على اعتبار أن "كل من لديه عيون للنظر ، وآذان للسمع ، عليه أن يدرك أن شراكة ثنائية القومية تستطيع هي فقط إنقاذنا ، إنها الطريقة الوحيدة فقط لتحويلنا من غرباء على أرضنا إلى أبناء بلد أصليين" خاصة وأن دولة إسرائيل "قد تسببت في إخفاء أمة كاملة" ولهذا "لم يكن من السهل تبني حل الدولتين ، لأن دولة إسرائيل لا يمكنها أن تحرر نفسها من النمط التوسعي ، وأن أيديها وأرجلها مقيدة بالمقومات الأيديولوجية والعملية , وأن لديها نزعة للتصرف بـــهذا الشكل" . ويضيف (هنيغبي) "حتـــى إذا أحاطت إسرائيل نفسها بســـور وخندق وبجدار ، فإن ذلك لن يفيد . فإسرائيل كدولة يهودية لن تكون قادرة على البقاء ، لن يكون هناك خيار آخر . وأن محاولة تحقيق سيادة يهودية محاطة بجدار ومعزولة يجب التخلي عنها ، علينا أن نقتنع بحقيقة أننا نعيش معاً كأقلية ، ولا حل لنا إلا الدولة ثنائية القومية" (مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية ، 2007) .

ويطرح (شيلغ) في مقالة كتبها في هآرتس بتاريخ 31/8/2003 ، أن واقع "وجود ثلاثة ملايين فلسطيني في المناطق ، وعدم استعداد أحد لشراء صيغة" الأردن هو فلسطين "يعني بوضوح أن ذلك يقود نحو الدولة ثنائية القومية" , لذا يجب الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 ، وإزالة المستوطنات ، لأن المستوطنين هم الأقدر على تخليص المجتمع الإسرائيلي والقيادة السياسية من حلم الدولة ثنائية القومية "وهذا الحل هو الكفيل بالحؤول دون دولة ثنائية القومية ، لأن هذه الأخيرة تعني نهاية إسرائيل ، وهو أمر غير مرغوب" (مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية ، 2007) . في حين يرى (كوهين ، 2003) بأن "فكرة الدولة القومية هي الحل البديل للأوضاع القائمة حالياً ، خصوصاً وأن التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية بات بالفعل يهدد إمكانية قيام الدولة الفلسطينية" ، ويقول أن هناك المزيد من المقالات والتحليلات التي يكتبها الفلسطينيون ومؤيدوهم يحذرون من أن خيار الدولتين لشعبين آخذ في التبدد ، وهدف إقامة الدولة الفلسطينية يجب أن يستبدل بالتطلع إلى إقامة دولة ثنائية القومية ، خاصة وأن الانسحاب إلى حدود عام 1967 ، وإخلاء المستوطنات ، يعد مساومة مغلوطة – فالفلسطينيون يصرون على حق العودة - فما العمل إذاً حين يكون الواقع الوحشي يقوض المواقف الأيديولوجية ، والأجوبة الاعتيادية لا تعود قابلة للتحقق ؟ نبدأ الانشغال فـــي التفكير الذي يبدو ككفر بالأساس ، كأمر مرفوض وخيالي ، مثـــل : لعل بالفعل حل الثنائية القومية سيخلق احتكاكات أقل مما يخلق الفصل والتقسيم ؟ ولعل مجرد النقاش المفتوح ، وان كان نظرياً ، في التسويات الثنائية القومية ، يدفع المصالحة إلى الأمام أكثر من التمسك بالفعل العرقي – القومي ؟ ( مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجية، 2007) .

ويتساءل الكاتب (لازاري) في مقالة له يوم 3/11/2003 بمجلة الأمة (The nation) , عن الفكرة الصهيونية ، وهل هي فاشلة أم لا ؟ ويؤكد أنها لم تعش بسلام مع جيرانها كما كانت التوقعات ، ولم تحتفظ أيضاً بجيش محترف صغير كما كان مرسوماً لها ، ولم تكن دولة طبيعية لا تختلف عن فرنسا أو ألمانيا كما أرادها هرتزل ، وذلك بسبب سياستها العرقية والدينية الخاصة التي ترفع مجموعة معينة فوق المجموعات الأخرى ، حيث تحولت إلي دولة غير طبيعية في وقت تخلت فيه معظم الدول الديمقراطية عن مثل هذه السياسات , لذلك حذر أبراهام بورغ – كما يقول لازاري – إذا كانت إسرائيل تريد الحفاظ على ما تبقى لها من ديمقراطية فيجب عليها : إما الانسحاب إلى حدود 1967 ، أو منح الجنسية الكاملة لنحو 3.5 مليون فلسطيني في المناطق المحتلة ، وهي خطوة سوف تعني النهاية الحتمية للدولة اليهودية . أما ميرون بنفيستي فقد أدان مقترح الدولة ثنائية القومية على اعتبار أنه غير قابل للتطبيق بشأن مسألة إسرائيل وفلسطين ، واقترح بدلاً من ذلك "دولة واحدة يتساوى فيها العرب واليهود" .

وفي نفس السياق أعلن المؤرخ (توني جوديت) في مقالة له بمجلة (نيويورك ريفيو) في عددها الصادر يوم 23/10/2003 ، أن عملية السلام في الشرق الأوسط قد ماتت ، وأن فكرة الدولة اليهودية قد أصبحت "مفارقة في عالم متعدد الثقافات" "لا ترتبط فيه الجنسية بالعرق أو الدين أو الأصل" ؛ كما أن مشكلة إسرائيل باختصار هي أنها ليست ، كما يزعم البعض أحياناً "جيباً" أوروبياً في العالم العربي , لأنها وصلت إلى هناك متأخرة ، فهي قد استوردت مشروعاً انفصالياً يحمل سمات أواخر القرن التاسع عشر إلى عالم قد بدأ مسيرة التقدم إلى الأمام ، عالم حقوق الفرد والحدود المفتوحة والقانون الدولي . إن فكرة "الدولة اليهودية" ، هي فكرة في المكان الخطأ والزمان الخطأ . إن إسرائيل باختصار هي مفارقة تاريخية . ويقول جوديت ربما تختلف إسرائيل عن الكيانات الصغيرة غير الآمنة التي ولدت بعد الانهيار الإمبراطوري , بأنها ديمقراطية ، ومن هنا نشأ مأزقها الحالي . وبفضل احتلالها للأراضي التي غزتها في عام 1967 ، فإن إسرائيل تواجه اليوم ثلاثة خيارات أحلاها مر ؛ وهذه الخيارات هي :

1-     فهي يمكن أن تفكك المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة ، وأن تعود إلى حدود عام 1967 التي يكون اليهود فيها الأغلبية ، وتظل دولة ديمقراطية ويهودية بأقلية عربية من الدرجة الثانية .

2-     يمكن أن تواصل احتلالها لأراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة ، التي سيصبح سكانها العرب ، مضافـــاً إليهم التغيرات الديموغرافية خلال خمس أو ثمـــان سنوات ، وفي كلتا الحالتين ستكون إسرائيل أما دولة يهودية أو ديمقراطية ، ولكنها لا يمكن أن تكون يهودية ديمقراطية في الوقت ذاته .

3-     يمكن أن تواصل إسرائيل احتلالها للمناطق المحتلة بعد أن تتخلص من الأغلبية العربية ، وهذا يعني أن تكون أول ديمقراطية مارست التطهير العرقي الشامل كمشروع دولة ، وهذا ما يجعل إسرائيل كدولة خارجة عن القانون الدولي إلى الأبد ، ويجعلها دولة متمردة على المجتمع الإنساني .

ويستحضر المؤرخ الأمريكي جوديت ما كتبه أبراهام بورغ حينما قال : "بعد ألفي سنة من النضال من أجل البقاء , فان حقيقة إسرائيل هي أنها دولة استعمارية تديرها عصابة فاسدة لا تولِ اهتماماً للقانون الدولي أو لأخلاق المجتمع ، وما لم يتغير شيئاً ما ، فإن إسرائيل في نصف قرن سوف لن تكون يهودية ولا ديمقراطية" . وانطلاقاً من ذلك يقول الكاتب : "لقد حان الوقت لنفكر في الممكن . إن حل الدولتين ، جوهر عملية أوسلو وخارطة الطريق ، ربما يكون قد مات ... إن البديل الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط في السنوات المقبلة يكمن بين وجود إسرائيل الكبرى نظيفة عرقياً , وبين دولة ثنائية القومية من اليهود والعرب ، الإسرائيليين والفلسطينيين" . وماذا لو لم يعد في هذا العالم مكان لدولة "يهودية" ؟ وماذا لو أن حل الدولة ثنائية القومية لم يعد ممكناً وحسب ، وإنما مرغوب أيضاً . إن عالم اليوم هو عالم تتعايش فيه الشعوب والأمم وتتداخل بشكل كبير وبمحض إرادتها ، كما انهارت فيه كل الحواجز الثقافية والقومية ، ولم نعد نقبل فيه بهوية واحدة ، حيث إن أمامنا خيارات هوية متعددة ، ولهذا فإن إسرائيل تبدو في هذا العالم مفارقة غريبة ، وليس هذا فقط ، بل أنها غير عملية . لذلك ، فإن دولة ثنائية القومية في الشرق الأوسط تتطلب مشاركة قيادة أمريكية شجاعة ، كما تتطلب هذه الدولة المنشودة ظهور طبقة سياسية جديدة بين اليهود والعرب على حد سواء . علماً بأن هذه الفكرة هي خليط من الواقعية والطوباوية ، ولكن الخيارات الأخرى تظل أسوأ من ذلك بكثير (مركز المعطيات والدراسات الديمقراطية ، 2007) .

أما الجانب الفلسطيني فقد رفض هذه الفكرة تماماً ، وذلك لأن التعامل مع اليهود في فلسطين لا يمكن أن يكون على أساس قومي أو/واثني ، وبالتالي رفضت الحركة العلمانية الفلسطينية باستمرار إمكان قيام دولة ثنائية القومية ، ولم تعتبرها حتى تكتيكاً في أثناء البحث عن حل مع إسرائيل ، معتبرة أن فكرة دولة فلسطين الديمقراطية هي الخيار الأنسب ، والذي لا يمكن تجاوزه على أرضية أن فلسطين أرض عربية ، وبالتالي يجب أن تقام دولة فلسطينية عربية ، ولازال الأمر على حاله حتى هذه اللحظة على الصعيد الرسمي الفلسطيني على أقل تقدير ، إلا أن الجديد في هذا الموضوع هو أن بعض المثقفين والأكاديميين والمفكرين الفلسطينيين بدءوا يناقشون الفكرة علها توفر بديلاً عـــن الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين (كيمرلنـــغ ، 1998) . فقد طرح (سري نسيبـــة ، 1987) فكرة الدولة ثنائية القومية ، وذلك من خلال سيناريو افترض فيه رفض إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967 ، لذا على الفلسطينيين أن يطلبوا من إسرائيل ضمهم إليها ، الأمر الذي يؤدي إلى أن يعيش الفلسطينيون في دولة ذات نظام عنصري بحكم الواقع ، وعليهم أن يناضلوا لنيل حقوق متساوية مع الإسرائيليين , وأن يصبحوا كالمواطنين الإسرائيليين ؛ وتوقع أن يكون عدد الفلسطينيين في فلسطين الانتدابية عام (2020) أغلبيــــة السكان ، وبذلك سيتمكنون من السيطرة على الكنيست وبقية مؤسسات الحكومة ، فيصبحون قادرين على تمرير قانون حق العودة للاجئين الفلسطينيين إذا اختاروا ذلك . وفي مثل هذه الحالة تتحول "فلسطين – إسرائيل" إلى دولة ثنائية القومية بالمعنى الكامل للكلمة . وعاد نسيبة , وأكد على رأيه عام 1996 , معتبراً أن قيام دولة ثنائية القومية في فلسطين – إسرائيل , ليس أمراً واقعياً فحسب ، بل أنه أمر مرغوب فيه أيضاً ، وقال ، على الرغم من اللطمة المميتة لعملية السلام الراهنة ، فإن القدر سيبرهن ، مرة أخرى ، أن له مشيئته المستقلة (Nusseibeh , 1996) .

وقدم الباحث الفلسطيني (محمد ربيع ، 1992) رأياً يقوم في بعض جوانبه ، على شكل من أشكال دولة ثنائية القومية ، مؤكداً على ضرورة قيام دولتين على أرض فلسطين التاريخية ، دولة إسرائيلية يهودية ، ودولة فلسطينية عربية ، حيث تمارس كل جماعة قومية حقوقها السياسية في دولتها التي تمثل أغلبية سكانية فيها : اليهود في إسرائيل ، والعرب في فلسطين ، في حين يتمتع مواطنو الدولتين جميعاً بحقوق الإقامة والعمل وممارسة النشاط الاقتصادي في كامل فلسطين الجغرافية ، على أن تكون القدس الموحدة عاصمة الدولتين ، ويقوم سكانها باختيار ممثليهم في المجلس البلدي لمباشرة القضايا غير السياسية (ربيع ، 1992: 169-186) ، وهذا الرأي القائم على بقاء فلسطين موحدة قد أكده برهان الدجاني ، الذي رأى أن أي حل منتظر يجب أن يحافظ على هذه الصيغة ، من دون فصل الدولتين إحداهما عن الأخرى (الدجاني ، 292:1996) . أما المفكر المرحوم الفلسطيني (ادوارد سعيد) قال : إن انتفاضة الشعب الفلسطيني دليل على نهاية حل الدولتين ، وأن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي أكثر ارتباطاً بالآخر ، تاريخياً وعلى صعيد التجربة والواقع ، من أن ينفصلا ، على الرغم من إعلان كل منهما حاجته إلى دولته المنفصلة ، معتبراً أن التحدي يكمن في "إيجاد طريقة سلمية للتعايش كمواطنين متساويين في الأرض نفسها" (سعيد ، 1996) .

وفي عمل مشترك لأسعد غانم وسارة لازار ، أكدا بأن المجتمعين المحليين ، العربي الفلسطيني واليهودي الإسرائيلي ، يمكن أن يعيشا جنباً إلى جنب ، ويمارسا حكماً ذاتياً خاصاً بكل منهما في شؤونه الداخلية ، الثقافية واللغوية والدينية ، على أن يشتركا في اقتسام السلطة والسيادة على كامل فلسطين الانتدابية ، وتكون القدس عاصمة للدولة المنشودة (غانم ولازار ، 91:1996-92) ، في حين أكد بشارة وبشكل واضح "أن البديل الوحيد من نموذج "الدولتين" الذي يمكن قبوله من دون سقوط حضاري واعتباره عادلاً ، يكمن في نموذج الدولة ثنائية القومية فقط ، لكن في مثل هذه الدولة التي لا يمكن الحديث عن أقلية عربية في إسرائيل ، بل عن قوميتين : الأولى تشمل اليهود الإسرائيليين , والثانية تشمل الفلسطينيين جميعاً بمن في ذلك العرب في إسرائيل وسكان الضفة والقطاع (بشارة ، 32:2000) .

وعبر الباحثان (جناب توتنجي وكمال الخالدي) عن توجهات ايجابية نحو دولة ثنائية القومية في فلسطين ، باعتباره طرحاً عقلانياً ، يتضمن مزايا كثيرة للجماعتين العربية الفلسطينية واليهودية الإسرائيلية ، في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية ، تفوق ما يحققه ، لكل من الجماعتين قيام كيانين قوميين منفصلين (توتنجي والخالدي ، 1997) ، ويؤكد الخالدي في بحث آخر (1999) ، بأن على الباحثين العرب ألا يهابوا تناول فكرة دولة ثنائية القومية في فلسطين ، إذ إن هذه الهيبة تجعل الجماعة القومية اليهودية القائمة ، فعلاً ، على أرض فلسطين تبدو أنها هي الوحيدة على تلك الأرض , لأنها في النتيجة تُغيب الجماعة العربية في فلسطين , وتتجاهل وجودها (الخالدي ، 23:1999) ، ويضيف أن تناول الباحثون العرب فكرة دولة ثنائية القومية في فلسطين ، ووضع تصورات نظرية لها ، انطلاقاً من وجود جماعتين قوميتين ، يوفران أداة نضالية حضارية ، نظرية وعملية في آن واحد ، لمواجهة هيمنة الجماعة القومية اليهودية على فلسطين بأسرها ، وتفردها بوضع الحلول التي تلاؤمها ، والتي لا يمكن أن تقوم إلا على دولة يهودية أحادية القومية . ولذا , فالوصول إلــــى تصور صحيح لدولة ثنائية القومية في فلسطين يثمر ، أول ما يثمر ، إرغام الجماعة القومية اليهودية على الاعتراف بوجود الجماعة القومية العربية جنباً إلى جنب معها على أرض فلسطين ، وبالتالي على الباحثين العرب أن يضعوا تصورات تتناول مختلف جوانب تحول فلسطين إلى نظام دولة ثنائية القومية (الخالدي ، 1999: 24-25) .

ويؤكد (الشريف) ، أن الشكل الأنسب لحل المسألة الفلسطينية الإسرائيلية قد يكون إقامة دولة ثنائية القومية , يتمتع فيها الشعبان بمساواة كاملة ، وتقوم على قاعدة اعتراف الشعب الفلسطيني بتبلور قومية إسرائيلية في فلسطين ، لا يربطها رابط بما يسمى "شعباً يهودياً عالمياً" ، واعتراف حكام إسرائيل بمسئوليتهم الأخلاقية عن مأساة الفلسطينيين , وعن تشريد القسم الأعظم منهم ، وهذا الاعتراف بالمسئولية التاريخية سيعني أمراً واحداً ، وهو القبول بعودة اللاجئين إلى وطنهم وتسهيل استيعابهم ، وإلغاء قانون العودة الإسرائيلي الصادر عام 1950 (الشريف ، 30:2002) ، ويستطرد الباحث قائلاً ، مع أنه برز اليوم إجماع عربي – تخترقه استثناءات محدودة – على الإقرار بوجود السكان اليهود فوق الأرض الفلسطينية ، فإن هدف إقامة دولة ديمقراطية ثنائية القومية في فلسطين يظل هدفاً طوباوياً وغير واقعي ، في ظل موازين القوى القائمة ، وفي ضوء المناخات السياسية والنفسية السائدة بين اليهود في إسرائيل (الشريف ، 30:2002) .

وتؤيد (الكرمي) فكرة الحل القائم على دولة تشمل الشعبين معاً , بوصفه البديل الواضح عن كل الحلول الأخرى ، ففي الدولة الثنائية القومية نظرياً ، يستطيع اليهود والفلسطينيون أن يتعايشوا كمجوعتين منفصلتين وفقاً لترتيب فدرالي ، وبموجب ذلك يُسير كل شعب أموره ذاتياً ، ويضمن له الحق القانوني في استخدام لغته ودينه وتقاليده الخاصة به , كما يتشارك الشعبان في الحكم عبر مجلس نيابي موحد ، يكون معنياً بأمور تتخطى في أهميتها مصالح كل شعب على حدة , من دفاع , وموارد , واقتصاد , وإلى ما هنالك . ودولة كهذه قد تصمم تبعاً لنظام الكانتونات السويسري ، أو وفقاً للنظام الثنائي القومية المعتمد في بلجيكا (الكرمي ، 33:2002) . في حين يرى (مخول) أن المطلوب اليوم أمران : واحد من الفلسطينيين مواطني إسرائيل ، وهو دفع مطلب الدولة الثنائية القومية داخل الخط الأخضر , والقائمة على تقاسم السلطة ومواقع القوة , والثاني هو مطلب فلسطيني عام بدولة ثنائية القومية في كل فلسطين – وهذا هو السياق العام للمطلب الأول ، لا بمثابتهما مطلبين منفصلين (مخول ، 40:2002) ، كما أن الفصل بين النظام الكولينالي ، والسكان الذين عمل باسمهم هذا النظام ، وهو أيضاً مركب هام كإستراتيجية مستقبلية ، وبالتالي فإن صيغة دولة ثنائية القومية ، بهدف وضع حد لآخر الأنظمة الكولونيالية والفصل العنصري ، قادرة على خلق حراك مستقبلي داخل المجتمع اليهودي نفسه ، رغم تماثله شبه المطلق مع المشروع الصهيوني ، لكن اللاعب الأساسي يجب أن يكون الشعب الفلسطيني ، معتمداً على الأفاق المستقبلية لا على توازنات اليوم (مخول ، 41:2002) .

ويرى (مسعد) ، أن لا استعادة لحقوق جميع الفلسطينيين , ولا نهاية للصراع إلا ضمن إطار دولة ثنائية القومية . فمن خلال دولة ديمقراطية ثنائية القومية يمكن أن يعاد اللاجئون الفلسطينيون إلى بيوتهم ، ويصبح فلسطينيو (الـ 48) مواطنين متساويين مع بقية المواطنين ، ويزول الاحتلال . وفقط من خلال دولة ثنائية القومية يمكن أن يصبح يهود الـ 48 مواطنين متساويين مــــع الفلسطينيين ، لا مميزين عنهم عرقياً ودينياً . وفقط من خلال دولة ثنائية القومية لا يعود اليهود الإسرائيليون يهددون حقوق الشعب الفلسطيني ، ولا يعود الفلسطينيون يهددون النظام التفوقي اليهودي الإسرائيلي عرقياً ودينياً , لأن هذا النظام سيكون قد زال أصلاً (جوزيف مسعد ، 48:2002) . أما (بارون) ، فيرى أن هذه الدولة الثنائية القومية تتيح ، رغم كل ما فيها من تجرع للسم ، حلاً لمعظم المشكلات العالقة في إطارها . وهي ليست مطروحة على مرمى الرؤية ، لكنها قد تطرح من خلال اندماج إسرائيل المزدوجة القومية في منظومة إقليمية شرق أوسطية أوسع تقوم على الاندماج أو التكامل في ما يعرف بالإقليمية الجديدة ، ولا تشكل هذه الدولة المزدوجة القومية بديلاً بالضرورة للجامعة العربية (باروت ، 19:2002) .

يبدو من البدائل والخيارات المطروحة كرؤية مستقبلية لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، أننا أمام بديلين فقط ، يتميز الأول "دولة ديمقراطية علمانية" ببعدين ، الأول عدم الإقرار بوجود قومية ثانية إسرائيلية إلى جانب القومية الفلسطينية ، وبالتالي تقدم حلاً قائماً على أساس "إنساني" كأمر واقع ممثلاً في وجود اليهود ، وهي لا تمانع من استيعابهم في إطار دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية مع الاحتفاظ بعروبة هذه الدولة ، أما البعد الثاني ، فهو يقوم على رؤية مختلفة تماماً ، تقر ضمنياً بوجود جماعتين مختلفتين قومياً وأثنياً ، يمكن أن يتعايشا معاً ولكن دون أن تكون هويتهما هي نفسها الحالية ، بقدر ما سيكون هناك تأثير متبادل بين الهويتين دون أن يتخليا عن عناصرهما الأولى ، حيث تتبدل الهويتان في حقل اجتماعي جديد , مرجعيته المواطنة والمساواة والاعتراف المتبادل . ويلاحظ على هذه الرؤية في بعديها , إنها تقوم على افتراض أن فلسطيني الأردن سيعودون إلى فلسطين دون أي عراقيل أو مصاعب ، بل أنها لا تتناول هذا الموضوع مطلقاً ، ربما باعتباره محسوم مسبقاً بوصفه حق طبيعي ، لكن المأساة تكمن في حالة تحقق مثل هذه "البديهية" ، فكيف عندئذ يصبح حال الدولة الأردنية التي يشكل الفلسطينيون اللاجئون فيها قرابة (60%) من المجموع الكلي للسكان ، وهم الذين يمسكون بعصب الحياة الاقتصادي والثقافي لهذه الدولة ؟!

كما أن الذين يقدموا هذه الرؤية كخيار مستقبلي ، يدركون مدى طوباويتها وعدم إمكانية تحقيقها على الأرض ، لذا يعتبرونها "فكرة متخيلة" ، كونها تأخذ بعين الاعتبار تَشَّكل قومية جديدة في فلسطين وهي "الإسرائيلية" ، ويغلب على هذه الرؤية الفكر القومي العربي ، الذي لم يتخلى (ولا يفكر في ذلك) عن عروبة فلسطين ، وبالتالي على القومية الجديدة ، (إن كانت فعلاً هي "قومية) أن ترضخ للأمر الواقع ، وتعيش على هامش القومية الأوسع وهي العربية , وليس الفلسطينية ، باعتبارهم "أفراد" وليس جماعة قومية ، وهذا الأمر يمكن توفيره من خلال دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية الموحدة .

في حين أن الرؤية المستقبلية الثانية الممثلة بخيار (الدولة الثنائية القومية) ، فهي متجاوزة الأولى ، حيث تأخذ بعين الاعتبار تبلور القومية الإسرائيلية على أرض فلسطين . كما أنها توازن بين الانتماءين القوميين الفلسطيني والإسرائيلي ، وهي قادرة على حل  كافة المشكلات إذا ما تم تعميمها على كل الشعب الفلسطيني ، خاصة وأن بعض الرؤى تقتصر خيار الدولة ثنائية القومية على أبناء الشعب الفلسطيني داخل دولة إسرائيل ، أي أنها تسعى لتغيير طابع دولة إسرائيل اليهودية , لكي يتمتع كل سكانها بصفة المواطنة المتساوية ، لذا يجب أن تكون هذه الرؤية معممة على كل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده ، إضافة إلى كف دولة إسرائيل اعتبار نفسها دولة لكل اليهود أينما وجدوا , وهي اشتراطات ضرورية وأساسية لضمان أن تكون هذه الرؤية – الخيار عقلانياً ومقبولاً ؛ علماً بأن تعميم هذه الرؤية لتشمل كل الفلسطينيين بتجمعاتهم الثلاثة (داخل دولة إسرائيل ، مناطق 1967 ، والشتات) يجب أن تؤخذ باعتبارها صعوبات وعراقيل الجزء الموجود في دولة الأردن ، لاسيما وأن هذه الدولة ترفض الحديث – مجرد الحديث – عن وجود لاجئين لديها ، وتعتبر أن الفلسطينيين الموجودين داخل المملكة هم أردنيون ، وهي تدرك أيضاً أن الاعتراف – مجرد الاعتراف – بهويتهم الفلسطينية كفيل بانهيار هذا الكيان الدولاني ، ويعمق ويعزز رؤية بعض الإسرائيليين بأن دولة الفلسطينيين الحقيقية هي "الأردن" , وبالتالي فهي ترفض الحديث فــــي موضوع مواطنيها بصفتهم الفلسطينية الجذور ، وتتعامل وكأن أمــــر اللاجئين لا يعنيها ، وتتعاطى فقط مع مشكلة النازحين الذين استقبلتهم على أثر حرب 1967 ، وان لم يكن حتى جزء منهم فقط ، أي أولئك الذين نزحوا من قطاع غزة .

كما تُؤمن الدولة ثنائية القومية المساواة لكل مواطنيها بالمعنى الجماعي وليس الفردي ، أي تأمين يقوم على اعتراف كل جماعة قومية بالجماعة القومية الأخرى ، والتسليم بشخصيتها القومية ، وخصوصيتها الثقافية ، بغض النظر عن حجمها ، وبهذا تكون المساواة بين قوميتين ، لا مساواة بين مواطنين كما هو الحال في دولة لكل مواطنيها ، فهي مساواة بين مواطنين يتساوون في الحقوق والواجبات ، ضمن دولة محددة ، بغض النظر عــــن انتماء أولئك المواطنين إلى فئات قومية ، أو طائفية ، أو مذهبية ، أو ثقافية (الخالدي ، 18:1999) . لذا ، فان حل الدولة الثنائية القومية يكون الأنسب والأفضل , إذا ما حُلت مشكلة اللاجئين في الأردن , حيث تبقى هذه المسألة بمثابة الصعوبة غير المرئية في طيات هذا الخيار - الرؤية - , وهي صعوبة كفيلة بنسف هذا الخيار , كما أنها تولد أزمة جديدة , وربما تؤدي إلى صراع فلسطيني – أردني , مما يضعف آليات الدفع تجاه هذه الرؤية المستقبلية . وانطلاقاً من ذلك , سنقدم رؤية أخرى , ستكون مستندة في جوهرها إلى "الدولة المتعددة الوطنيات" إن جاز لنا استخدام هذا التعبير في صيغة اتحاد فيدرالي ثلاثي يجمع ما بين فلسطين والأردن وإسرائيل .

رؤية مستقبلية مقترحة لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي

تستند هذه الرؤية المستقبلية , إلى منهج التحليل المستقبلي (Prospective Analysis) , أو المنهج الاستشرافي , والذي يقوم على بناء عدد من مشاهد التطور المستقبلي .. والمشهد (السيناريو) هو مجموعة من التنبؤات المشروطة التي تنطلق من السؤال "ماذا .... لو" ؟ , أي ماذا يمكن أن يحدث لو تحققت عدة شروط . كما أن المشهد هو : تصور ذهني وفكري لمجموعة من الحالات المتوقعة أو الممكنة لمسيرة ظاهرة ما , وهو ليس تعبيراً عن رغبة مؤلفة , وإنما وصف لمسار محتمل بغض النظر عن رغبتنا فيه ؛ أي إن الاستشراف هو دراسة لحالات احتمالية لها شروط ومؤشرات معينة (إبراهيم , 1988: 344) .

وانطلاقاً من ذلك تقوم الدراسات المستقبلية على ثلاثة مشاهد وهي :

أولاً : المشهد الاتجاهي .. ويقوم على بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه , مع عدم إنكاره لإمكانية حدوث تغيرات على الواقع الحالي , لكنها محدودة في نطاقها وزمانها , الأمر الذي يعني بأن تبقى فلسطين محتلة , وأن لا تتحقق المطالب (الثوابت) الوطنية الفلسطينية في العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة , مع إعطاء الفلسطينيين المقيمين في الأراضي التي احُتلت عام 1967 حكماً ذاتياً محدوداً , بحيث يبقيهم تحت السيطرة الإسرائيلية , وهذا المشهد لم يعد مقبولاً على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية , وحتى لدى الكثير من الإسرائيليين راسمي السياسات وصناع القرار , وذلك بحكم انعكاساته وتداعياته على دولة إسرائيل نفسها , حيث ستبقى دولة الاحتلال الوحيدة في العالم .

ثانياً: المشهد الإصلاحي .. ويقوم على أن تتم بعض التغيرات الإصلاحية غير الجذرية , بهدف إبقاء الجوهري والرئيسي في الواقع المعطى , مع إيجاد صورة تجميلية أو حمائية لجوهر الواقع الحالي , وهذا المشهد يتمثل فلسطينياً في الحديث عن "دولتين لشعبين متجاورين" , دون تعريف حدود الدولتين , أو عاصمتهما , كما لا يشمل حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين , ولا يقدم حلاً لأبناء الشعب الفلسطيني والمواطنين في دولة إسرائيل , إلى جانب عدم توفر آليات وميكانيزمات وتوقيتات محددة لإقامة الدولة الفلسطينية الموعودة , إضافة إلى ما يصادف هذا الهدف من صعوبات متعددة , مـــن نوع التواصل الجغرافـــي بين مكونيهـــا الإقليميين "الضفة الغربية وقطاع غزة" , والأمن الذي يمكن أن يحقق للدولتين المتداخلتين الإسرائيلية والفلسطينية , والقدس كعاصمة للدولتين , والاقتصاد , والمياه ... الخ . والهدف الرئيسي لهذا المشهد هو : الحفاظ على دولة الاحتلال وطابعها اليهودي , مما يجعل هذا المشهد الإصلاحي غير قادر على تأمين حل جذري وشامل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , وبالتالي العربي - الإسرائيلي . الأمر الذي يستلزم في الوقت نفسه البحث عن مشهد آخر يكون قادراً على الاستجابة لطبيعة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وحله بشكل جذري وشامل , وهذا يمكن تلمسه في المشهد الثالث .

ثالثاً : المشهد التحويلي .. ويدور هذا المشهد حول مفهوم "الاتحاد الفيدرالي" , أو "الدولة الاتحادية ثلاثية الوطنيات" , التي يقوم جوهرها على توحيد الدول الثلاثة (إسرائيل , والأردن , وفلسطين) في إطار دولة اتحادية فيدرالية , مع احترام التعدد الثقافي , والديني , والإثني القائم في هذه الدول , وهو مشهد يحتاج إلى كثير من العمل ذو الخطوات المدروسة والمحسوبة ذات التوجه التحويلي لمستقبليات هذه الدول وشعوبها على طريق التوحد الديمقراطي والتنمية الإنسانية المستدامة , التي تستلزم تخلي دولة إسرائيل عن فكرها الصهيوني الاحتلالي التوسعي والإحلالي , وتخلي الفلسطيني عن تجاهله للإسرائيلي كواقع مادي , شعباً ودولة ومؤسسات ... الخ , وأن تعيد الأردن النظر في واقع الفلسطينيين المقيمين فيها , وتتخلي بالتالي عن شعاراتها التي ترفض الاعتراف بفلسطينية هذا التجمع الكبير , وأن يعيد الجميع النظر في فرضياته ومرتكزاته الفكرية والأيديولوجية السياسية المغلقة والمنغلقة , التي تستند في جوهرها على تراث الماضي المقيت والمتعصب , وتسير باتجاه الرؤية المستقبلية التي تؤمن لشعوب هذه الدول النمط والأسلوب الديمقراطي في الحياة , والعدالة الإنسانية في بعدها الإنساني النسبي المستند إلى تحقيق التنمية المستدامة , والابتعاد عن عقلية التبعية والاستعباد والطغيان والاستبداد التي تجهض أي رؤية مستقبلية لحل الصراع العربي - الإسرائيلي , والفلسطيني - الإسرائيلي من زواياه المتعددة والمختلفة .

منطلقات الرؤية المستقبلية ودوافعها

تنطلق رؤيتنا المستقبلية من محاولة إيجاد حل جذري لعملية الصراع التاريخية , العربية - الإسرائيلية والفلسطينية - الإسرائيلية , على أن تأخذ باعتبارها الماضي والحاضر بأبعادهما المستقبلية من الزوايا التاريخية والديموغرافية والسياسيـــة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والوجدانية , لجهة العلاقة الفلسطينية - الفلسطينية بين أبناء الشعب الواحد رغماً عن تشتتهم الجغرافي سواء في داخل دولة إسرائيل أو المناطق التي احتلتها إسرائيل عام 1967 , أو ذلك الجزء المتواجد في الشتات ولاسيما في المملكة الأردنية الهاشمية , والعلاقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني , والعلاقة الفلسطينية - الإسرائيلية , وترابط وتواصل الأطراف الثلاثة (الفلسطيني , والأردني , والإسرائيلي) , وفق رؤية استشرافية تحافظ على مصالح "الكيانات السياسية" الثلاثة بوصفها كيانات وطنية , دون إحداث أي تناقض جوهري بينها , بل التقاط الجانب التكاملي الممكن , المفضل والمرغوب فيما بينهم في إطار دولاني فيدرالي موحد , يوفر "الحكم الذاتي" لكل كيان منهم بشكل مستقل , على أن يرتبطوا (ثلاثتهم) في صيغة دستورية وقانونية دولانية فيدرالية .

إن الهدف من هذه الصيغة المستقبلية في العلاقة بين الأطراف الثلاثة , هو صيانة وحماية هذه الكيانات التي تتناقض مصالحها فيما لو بقيت قائمة على هذه الشاكلة الحالية , وذلك بحكم طبيعة التداخلات الجغرافية والبشرية بين مكونات الشعب الفلسطيني المتواجدين في هذه الأطر الكيانية الدولانية , وما ينجم عن هذه التداخلات والترابطات بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والوجدانية , وانعكاساتها على عدم استقرار أي منهم , كما تتبدى استحالة تحقيق المطالب (الثوابت) الفلسطينية في حق العودة وتقرير المصير بشكل رئيسي إلا من خلال صيغة فيدرالية "متعددة الوطنيات" بين الكيانات الثلاثة ؛ هذه الصيغة التي تصون ولا تبدد الإطار الدولاني أولاً , وتراعي الجانب المصلحي لكل منهم ثانياً , وفق تصور شمولي ينبذ التجزيئية المقيتة , ويسعى إلى التوحيد ورفض الانقسام والتشرذم .

وانطلاقاً من توضيح العلاقة الفلسطينية - الإسرائيلية المفضلة والمرغوبة في إطار فيدرالي ثنائي القومية , وعدم كفاية هذه الصيغة لحل الصراع بشكل جذري باعتبار أن حق العودة لفلسطيني الأردن يعني "انهيار ودمار" الدولة الأردنية , لاسيما وأن هذه الدولة تعامل الفلسطينيين على أنهم أردنيين , الأمر الذي أكد عليه الملك حسين حتى حين اتخذ قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية عام 1988 , حينما قال :

 "أنه ينبغي أن يفهم بكل وضوح , وبدون أي لبس أو إبهام , أن إجراءاتنا المتعلقة بالضفة الغربية إنما تتصل فقط بالأرض الفلسطينية المحتلة وأهلها , وليس بالمواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني في المملكة الأردنية الهاشمية بطبيعة الحال . فلهؤلاء جميعاً كامل حقوق المواطنة وعليهم كامل التزاماتها تماماً مثل أي مواطن آخر مهما كان أصله .. وعليه فإن صون الوحدة الوطنية أمر مقدس لا يتهاون فيه , وأي محاولة للعبث بها تحت أي لافته أو عنوان , لن تكون إلا مساعدة للعدو لتنفيذ سياستـــه التوسعية علـــى حساب فلسطين والأردن سواء بســـواء" .

وهذا التوجه الذي أرسى دعائمه الملك حسين , هو نفسه لازال قائماً حتى اليوم في الأردن , حيث ترفض دولة الأردن بكل مؤسساتها الاعتراف بوجود "فلسطينيين" لديها , وتعتبرهم أردنيين كما غيرهم , الأمر الذي أكدت عليه حكومة الروابدة عام 1999 أمام مجلس النواب , معتبرة "أن جميع المواطنين مهما كانت منابتهم وأديانهم .. متساوون في الحقوق والواجبات , لا تفريق بينهم أو تمييز لأي سبب كان , وهم شركاء في الوطن شراكة شيوع لا تقبل القسمة .. ولذا فإننا سوف نتصدى بكل عزم .. لمحاربة كل من يحاول إثارة النعرات الإقليمية أو الجهوية أو الطائفية" .. وفي هذا توكيد ساطع على أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الأردن هي إشكالية حقيقية , بل هي التي بررت قرارات المجلس الوطني الفلسطيني , والسياسات الفلسطينية التي نادت بكونفدرالية أردنية فلسطينية , وزاد الحديث عنها بعد الجولة الرابعة من المباحثات في مؤتمر مدريد , حيث باتت فكرة الإعلان المبكر عن الكونفدرالية , موضوع الساعة طوال شهري آذار ونيسان 1992 في الساحتين الفلسطينية والأردنية (عبد الرحمن والحوراني , 1996: 58) ؛ كما بدأ الحديث عن العلاقة الأردنية - الفلسطينية يأخذ أبعاداً مستقبلية عميقة مستندة إلى الماضي والحاضر والمستقبل معاً , وفق نمطين رئيسين , النمط التفاعلي والنمط القصدي , والمفهوم الأول , يتجاوز العلاقة الفوقية أو السياسية أو الدبلوماسية بين الكيانات السياسية , فهو يشير إلى أبعاد التفاعل "المجتمعي" الثنائي وكثافة الصلات بين الشعبين , بينما يشير المفهوم الثاني (القصدي) إلى توجه إرادي لتطوير العلاقة نحو مستوى معين يتجاوز ما هو قائم , وتعبيراً عن هذا التوجه القصدي , جرى ويجري الحديث عن التوجه الوحدوي والمستقبل الوحدوي بين الأردن وفلسطين (عبد الرحمن , والحوراني , 1996: 59-60) . وتقوم هذه العلاقة على روابط تاريخية بين الشعبين , تجسدت في أبعاد وحقائق موضوعية عديدة , لذا فإن الحديث عن خصوصية هذه العلاقة ليس وليد تأمل ذهني مجرد أو إسقاط رغائبي , كما أنه ليس مجرد محاولة لتبرير قناعة سياسية أو أيديولوجية مسبقة , وذلك إن لم نغفل طبيعة الترابط الدقيق بين أجزاء بلاد الشام , لاسيما الجزئيين الجنوبيين منها , واللذان يعكسان حقائق البيئة الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي ميزت هذه المنطقة بقدر واسع من التداخل والتمازج , لدرجة أن بعض الكتابات التاريخية قد استطردت في وصف العلاقة بين الأردن وفلسطين , وكأنهما جاءا تجسيداً لهوية قطرية ممتدة عبر التاريخ , لها أبعادها الحضارية والثقافية المميزة لها عن محيطها (عبد الرحمن والحوراني , 1996: 62-63) , الأمر الذي يفسر طبيعة السياسات والقرارات الفلسطينية والأردنية الداعية إلى إقامة إتحاد كونفدرالي بين الدولتين الفلسطينية والأردنية , وذلك لعمق الترابط بين الشعبين , لذا فإن الرؤية المستقبلية تقوم في أحد بواعثها ودوافعها على أساس هذه العلاقة , وتكفل لها السيرورة والديمومة بعيداً عن التصادم بين الكيانين , وبما يحافظ على الأردن ككيان دولاني محقق , وبما يحفظ للفلسطينيين في هذا الكيان فلسطينيتهم التي لا تتأثر ببقائهم حيث هم , باعتبارهم مواطنين في دولة الاتحاد الفيدرالي الذي تنادي به هذه الرؤية .

وما يدفع إلى فكرة "الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنية" , هو تحدي إنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي , والفلسطيني – الإسرائيلـــي بشكل جذري مـــع كل تبعاته وتداعياته علــــى الشعوب العربية , لاسيما الشعب الفلسطيني , وحل مشكلة دولة إسرائيل التي لم يعد بالإمكان تجاهلها ككيان دولاني محقق , وكشعب موجود على أرض فلسطين التاريخية , لاسيما أن الإسرائيليين الذين ولدوا بعد إنشاء هذه الدولة خلال ستون عاماً , أو من هم أبناء وأحفاد اليهود الذين كانوا يسكنون فلسطين قبل تأسيس الدولة العبرية والذين يعرفوا باسم يهود الصابرا , أصبحوا اليوم يمثلون ثلث سكان دولة إسرائيل تقريباً , وهم يعيشون حالة صراع مع اليهود الوافدين لدولة إسرائيل بعد تأسيسها , إلى جانب الصراعات الداخلية الأخرى التي تعانيها هذه الدولة من نوع : الصراع بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين , بين العلمانيين والمتدينين , الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل والدولة ذات الطابع اليهودي والهوية اليهودية ... الخ . فالحل الذي يقوم على الاتحاد الفيدرالي كفيل بإنهاء هذه التناقضات والصراعات , في مقابل عجز حل الدولتين المتجاورتين (الفلسطينية , والإسرائيلية) عن تقديم حل لكافة جوانب الصراعات الداخلية الإسرائيلية , والفلسطينيـــة - الإسرائيلية , لاسيما قضيتي تقرير المصير وحق العودة لأبناء الشعب الفلسطيني في دول اللجوء والشتات , وفي داخل دولة إسرائيل , حيث الهم الرئيس للاجئين يكمن في عودتهم إلى وطنهم وديارهم وأملاكهم وممتلكاتهم , وهم الذين يمثلون حوالي (75%) من مجموع الشعب الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها , في حين يتركز مطلب أبناء الشعب الفلسطيني في دولة إسرائيل علــــى معرفة مصيرهم ومستقبلهم على ضوء الرؤية التي تقوم على حل الدولتين المتجاورتين .

كما أن فكرة "التعويض" التي تمثل التفاف على قرار (194) , لن تبدو التفافاً أو تخلياً عن حق العودة إذا ما طُبقت في إطار "الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنيات" الذي تدعو إليه هذه الدراسة , حيث سيعود اللاجئون الذين يقيمون خارج حدود هذا الاتحاد , ويسكنون أينما يشاءون , ويتم تعويضهم كمواطنين في هذه الدولة الاتحادية الواسعة المساحة نسبياً , مقارنة مع عدد سكانها الذين لن يصلوا إلى العشرين مليون نسمة (إسرائيليين , وفلسطينيين , وأردنيين) , خاصة وأن تخلي الفلسطيني عن حقه في العودة , يعد ضرب من الخيال والمستحيل , كما أن تحقيق هذا الحق في إطار حل الدولتين هو أيضاٌ غير ممكن , ويقارب المستحيل والمتخيل , لذا تصبح فكرة الاتحاد الفيدرالي مطلباً مرغوباً لكل أطرافه , بحكم تقاطع مصالحهم على هذه الرؤية المستقبلية التي يستلزم إنجاحها العمل عليها وفق خطة برنامجية طويلة الأمد .

وربما يكون من الدوافع الأخرى لفكرة "الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنية" , هو تخليص دولة إسرائيل - مع أن هذا شرط ونتيجة في آن معاً - من عنصريتها وصهيونيتها وعقليتها التوسعية الاستيطانية الاحلالية , وتحويلها إلى كيان بشري يتعايش مع الإطار التعددي الثلاثي (مسلمين ومسيحيين ويهود) , الأمر الذي يعني حرية العقيدة الدينية , إضافة إلى مجموع الحريات الأخرى الفكرية والسياسية , وذلك يستلزم أن يكون هذا الاتحاد المنشود إنموذج ديمقراطي إنساني ينبذ التفرقة والتمييز وعدم المساواة , وشعاره العدالة والإخاء والمساواة بين أبناء الاتحاد الفيدرالي , الذي تتواصل حدوده الجغرافية وتتداخل مع بعضها البعض , مما يعزز فكرة الاتحاد , إلى جانب استحالة عودة الفلسطينيين مــــن الأردن بحكم تداعيات هذه الفكرة (الحق) على الأردن ككيان دولاني , وتهدده بالانهيار , كما تهدد وجود دولة إسرائيل بكل أبعادها , لذا أصبح البحث عن حل (رؤية) مستقبلي يحفظ للكل بقاءه , يشكل مطلباً ضرورياً مرتبط بشكل مباشر بوجود الأطراف الثلاثة ككيانات دولانية , وهذا الحل (المطلب) , هو عمل استشرافي يستلزم تنفيذه قناعة كل الأطراف بضرورته , بوصفه المخرج الأمثل الذي يحفظ الحق لأصحابه , علماً بأنه قد يكون حلاً طوبائياً للوهلة الأولى , لكنه واقعياً فــــي جوهره , لاسيما وأن هــــذا "الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنية" , سيصون الكيانات الدولانية , وينهي الصراع التاريخي الفلسطيني - الإسرائيلي , وبالتالي العربي - الإسرائيلي , دون أن يكون على حساب أي منهما , معتمداً على قوة الحق , نابذاً حق القوة , ومستنداً في الوقت نفسه إلى الواقع الحالي بآفاقه المستقبلية . فما هي صيغة الاتحاد الفيدرالي المطلوبة على ضوء الرؤية النظرية والتطبيقية لهذا الهدف المنشود ؟

الاتحاد الفيدرالي بين النظرية والتطبيق

يعد الاتحاد الفيدرالي أكثر صور الدولة الاتحادية تركيباً , والذي يسمى أيضاً دولــــة الاتحاد المركزي , ويتميز النظام السياسي الفيدرالي بعلاقات التعاون , وبوجود حكومة مركزية اتحادية , إلى جانب وجود حكومات ذاتية للدول السابقة على تأسيس الاتحاد المركزي , والتي تتحول إلى أقاليم , أو مقاطعات , أو ولايات (لبد , 2002: 231) , لذلك تُعرف الفيدرالية بأنها "اتحاد بين دولتين أو أكثر بحيث تفقد كل منها سيادتها الخارجية لصالح دولة الاتحاد الفيدرالي أو المركزي , والتي تظهر وحدها - تبعاً لذلك - على المسرح الدولي , ومن ثم تتلاشى الشخصية الدولية للولايات أو الدويلات الأعضاء , مع احتفاظها بجزء من سيادتها الداخلية , الأمر الذي يسمح لها - في نطاق الإطار الذي يحدده الدستور الاتحادي - بممارسة بعض وظائف الدولة الأساسية التي تتمثل في التشريع والتنفيذ والقضاء" (بطيخ , 1988: 5-6) .

وبالتالي يصبح الاتحاد الفيدرالي دولة جديدة كشخصية معنوية , لها رئيس واحد , وتتولى السياسة الخارجية , وتصبح هي جنسية المواطنين في كل أجزاء الدولة , وبالتالي تفقد الدويلات أو الولايات المكونة لدولة الاتحاد الفيدرالي المركزي سيادتها الخارجية , مع وجود نوعين من الحكومات : الأول على المستوى الفيدرالي ويباشر ثلاث سلطات , والثاني : على المستوى المحلي , أي على مستوى الولايات أو الدويلات , ويباشر أيضاً ثلاث سلطات , ويقوم الدستور الاتحادي بتوزيع الاختصاصــــات بين الحكومة المركزية الفيدرالية وحكومــــات الولايات الأعضاء (بطيخ , 1988: 6) , ويباشر كل منهما اختصاصاته التي يحددها الدستور بروح تعاونية تكاملية لما فيه مصلحة دولة الاتحاد المركزية والدويلة العضو (الولاية) في هذا الاتحاد .

وتتميز دولة الاتحاد الفيدرالي بتعدد البرلمانات , اثنان منها يخصان الدولة المركزية , بحيث يمثل أحدهم الإرادة الشعبية مباشرة , والآخر يمثل الدويلات , الولايات , أو المقاطعات , أما البرلمان الثالث فهو الذي يخص كل ولاية عضو في الاتحاد , مثال هذا النظام موجود في الكثير من دول العالم , منها : سويسرا , الولايات المتحدة , المكسيك , البرازيل , ألمانيا , أستراليا , ... الخ , وتعد التجربة السويسرية من أهم التجارب العالمية التي يتم الحديث عنها كنموذج  وحدوي , وهو نظام حكومة الجمعية , نظام نيابي , يقوم على فكرة التبعية فيما يتصل بطبيعة علاقة التشريع بالتنفيذ , أي تبعية التنفيذ للتشريع , حيث تتركز الوظيفتان السياسيتان في يد البرلمان (الجمعية الفيدرالية) التي تتكون من مجلسين : مجلس الدويلات ويمثل الولايات , ومجلس الأمة الذي يمثل الأمة مجتمعة بصرف النظر عن الولايات . والمجلسان نيابيان , وكلاهما يمارس وظيفته منفرداً عدا الحالات التي نص عليها الدستور , أن تُتَّخذ القرارات بشأنها في جلسة مشتركة (ثابت , 1999: 69) .

تُنتَخب الجمعية الفيدرالية لمدة أربع سنوات , وهي صاحبة الاختصاص الأصيل للتشريع والتنفيذ معاً , وتقوم الجمعية بتفويض التنفيذ إلى المجلس الفيدرالي الذي يتكون من سبعة أعضاء من بين أعضاء الجمعية , وتقوم الأخيرة بانتخابهم لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد المباشر , ويكون هذا المجلس السباعي مسئولاً أمام الجمعية الفيدرالية عن ممارسة التنفيذ بوصفه مندوباً (مفوضاً) من الجمعية , وليس باعتباره صاحب الاختصاص الأصيـل , لذلك عندما يختلف المجلس مــــع الجمعية , يعود القرار للأخيرة بوصفها الهيئة الأصيلة . كما تعين الجمعية الفيدرالية رئيس الدولة بالانتخاب ولمدة عام واحد من بين أعضاء المجلس الفيدرالي , على أن هذا التعيين قابل للتجديد المباشر , علماً بأن وظائف الرئيس هي شرفية بروتوكولية , وليس لديه سلطات تنفيذية إزاء الجمعية الفيدرالية (ثابت , 1999: 70-71) .

كما توجد تجربة الولايات المتحدة ذات النظام الفيدرالي الرئاسي البرلماني , الذي يتكون من مجلسين يطلق عليهما الكونغرس , أحدهما مجلس النواب ويمثل السكان على إطلاقهم , والثاني مجلس الشيوخ ويمثل الولايات , ويقوم المجلس بغرفتيه النيابيتين بوظيفة التشريع , وذلك لأنه يوجد فصل عضوي تام بين التشريع والتنفيذ , فالأخير يُعنى به الرئيس المنتخب مباشرة من الشعب لمدة أربع سنوات , ولا وجود لوزارة في النظام الأمريكي , فالوزراء لا يشكلون هيئة في النظام الأمريكي لها ذاتيتها , وإنما هم مجرد معاونون للرئيس (مستشارون) , يعينهم ويقيلهم وحده متى شاء , فهو المسئول دستورياً عن التنفيذ أمام الأمة , فيستمد سلطاته منها , وبالتالي فهو غير مسئول أمام الكونغرس عن ممارسته للوظيفة التنفيذية , لذلك تتكون لدى الرئيس الأمريكي سلطة سياسية في منتهى القوة لإنفراده وهيمنته على الوظيفة التنفيذية , ولا يُسأل أمام أحد سوى الأمة التي انتخبته مباشرة , لذلك يسمى بالنظام الرئاسي (ثابت , 1999: 72) .

الهيئات التمثيلية الرسمية لدولة الاتحاد الفيدرالي :

تتمتع الدول الاتحادية بالسيادة الكاملة من الناحية الخارجية , وبسلطان كبير من الناحية الداخلية , وهي تمارس هذه السيادة عن طريق سلطات الاتحاد التشريعية , والتنفيذية , والقضائية , وهذه هي الهيئات التمثيلية الرسمية للدولة .

السلطة التشريعية الاتحادية :

يتولى القيام بممارسة هذه السلطة برلمان يتكون من مجلسين : أحدهما يمثل شعب الدولة الاتحادية في مجموعه , فيتم انتخاب أعضائه بواسطة مجموع مواطني الولايات (الدويلات , المقاطعات) , مما يترتب على ذلك تفاوت في عدد الأعضاء نظراً لاختلاف عدد السكان في كل منها , واختلاف عدد الأفراد الذين تتوافر فيهم شروط الانتخاب , ويمكن تسميته بمجلس الشعب , في حين يمثل المجلس الثاني مجموع الولايات (الدويلات , المقاطعات) التي تتكون منها دولة الاتحاد بنسبة تحقق المساواة بينها , فلا يختلف ممثلي أي ولاية عن الأخرى بغض النظر عن عدد سكانها , فالتمثيل يتم على قدم المساواة بين الولايات التــي تتشكل منها دولة الاتحاد المركزية , مثـــال الولايات المتحدة : تتكون من خمسين ولاية , لكل ولاية مندوبان في مجلس الشيوخ الذي يتشكل من مائة عضو , كما يتمثل هذا الأمر في الاتحاد السويسري الذي يتألف أيضاً من مجلسين , أحدهم مجلس الأمة والآخر مجلس المقاطعات (الولايات , الدويلات) التي تبلغ عددها خمسة وعشرين , وبالتالي يتكون مجلس المقاطعات من خمسين عضواً ( ليلة , 1969: 142-143) , إلا أن هذه القاعدة قد اختلفت بالنسبة لدولة ألمانيا الاتحادية لجهة عضوية مجلسها الأعلى المسمى "رايشسرات" , حيث يكون لكل ولاية مندوب على الأقل , مع تمايز الولايات ذات العدد السكاني الكبير , بحيث يكون لكل سبعمائة ألف نسمة مندوباً آخر في المجلس الأعلى (الرايشسرات) , على أن لا يكون لهذه الولاية مهما بلغ عدد سكانها نسبة أكثر من (40%) من المجلس الأعلى , ويكون في نفس الوقت صوت واحد لكل ولاية بغض النظر عــــن عدد مندوبيها فـــي المجلس الأعلــى , وذلك تدعيماً للصيغة الاتحادية (ليلة , 1969: 144) .

وبناءً عليه , يعد المجلس الأدنى في ألمانيا هو السلطة التشريعية الأصلية , في حين أعطت للمجلس الأعلى حق الاعتراض (الفيتو) على التشريعات والقوانين التي يقرها المجلس الأدنى , وتكون في العادة مهام البرلمان الاتحادي بغرفتيه سن القوانين في جميع المسائل التي تهم دولة الاتحاد في مجموعها مثل : الشئون المتصلة بالعلاقات الخارجية , والدفاع الوطني , والعملة الواحدة , والمواصلات بمختلف أنواعها , والمسائل الجمركية , والجنسية , وغير ذلك مما يهم الدولة الاتحادية , إلى جانب وضع العديد من قواعد التشريع للمجالس الأدنى (مجالس الدويلات , أو الولايات) , بحيث يكون على هذه الأخيرة أن تخضع لهذه القواعد , وتسترشد بها في وضع تشريعاتها الداخلية , وأن لا تتناقض أو تتعارض مع دستور الاتحاد المركزي (ليلة , 1969: 145) . وبالتالي تصبح القاعدة الأساس في هذا الموضوع هي : تقاسم السلطة التشريعية بين المجلسين , مع احترام خصوصية كل ولاية , دويلة , أو مقاطعة ؛ كما أن لكل دولة اتحادية فيدرالية خصوصية نشأتها وتكوينها , وخصوصية نظامها السياسي واقتصادها وثقافتها ومكوناتها ... الخ , الأمر الذي جعل من تجربة الولايات المتحدة مثلاً , تختلف مع سويسرا , ففي الأولى منح الدستور الأمريكي لمجلس الشيوخ صلاحيات المشاركة مع السلطة التنفيذية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية من خلال اشتراط الدستور ضرورة مصادقة مجلس الشيوخ على المعاهدات الدولية التي يعقدها الرئيس باعتبارها متصلة بالسياسة الخارجية , كما لمجلس الشيوخ الحق في المصادقة على معاوني (مستشاري) الرئيس , والمبعوثين الدبلوماسيين في الخارج , إلى جانب مصادقته على أعضاء المحكمة الفيدرالية العليا (مجلس القضاة) , إضافة إلى إقرار الميزانية العامة لدولة الاتحاد , فهي من صلاحيات الكونغرس , وهذا سلاح قوي تستخدمه السلطة التشريعية ضد السلطة التنفيذية , مع أن هذه الأخيرة أيضاً لها حق الاعتراض على القوانين التي يقرها الكونغرس (ثابت , 1999: 64-69) . في حين أن الدستور السويسري قد أعطى لمجلس الشعب سلطات أقوى من مجلس المقاطعات (الدويلات , أو الولايات) , أي المجلس الأعلى في الجمعية الفيدرالية السويسرية .

السلطة التنفيذية الاتحادية :

تتكون السلطة التنفيذية في دولة الاتحاد الفيدرالي المركزية من رئيس الدولة وحكومة الاتحاد , أي رئيس أعلى يساعده عدد من الوزراء باختلاف مسمياتهم في هذه الدول . وتختص مهمة الحكومة المركزية في تنفيذ قوانين الاتحاد وقراراته في جميع أنحاء الدولة , وتختلف الدول في أداء هذه المهمة المركزية كل وفق دستورها المستند إلى ظروفها الخاصة , فمنها من يمارس هذه المهمة عن طريق "الإدارة المباشرة" , ودول أخرى عن طريق "الإدارة غير المباشرة" , وهي طرائق تعتمدها الدول علـــى اختلافها لتسيير شؤون الدولة , فالإدارة المباشرة , هـــي طريقة تأخذ بهـــا حكومة الاتحاد , وتتمثل في إنشاء إدارات خاصة بدولة الاتحاد المركزية في الولايات المختلفة , تكون تابعة لها مباشرة , ومستقلة عن الإدارات الخاصة بالولايات , وهذه الإدارات المتعددة والمنتشرة في أنحاء الدولة الاتحادية تتولى مهمة القيام بتنفيذ القوانين والقرارات الاتحادية المركزية داخل الولايات المختلفة , وتتبع الولايات المتحدة الأمريكية هذه الطريقة في الإدارة . أما طريقة الإدارة غير المباشرة , فهي التي تعهد فيها حكومة الاتحاد المركزية إلى الولايات نفسها بمهمة تنفيذ القوانين والقرارات والتعليمات الاتحادية , ويقتصر دور الحكومة الاتحادية في هذه الحالة على مراقبة الولايات حتى تتأكد من سلامة تنفيذ أوامرها , وتأخذ بهذه الطريقة دولة ألمانيا الاتحادية (ليلة , 1969: 150-151) , علماً بان لكل طريقة عيوبها وميزاتها , فالطريقة المباشرة تكلف الدولة أعباء باهظة لكنها تضمن تنفيذ قرارات دولة الاتحاد المركزية , والطريقة غير المباشرة عدا عن توفيرها للأموال , فإنها تحقق الانسجام بين حكومة الاتحاد وحكومات الولايات , الدويلات أو المقاطعات , أعضاء الدولة الاتحادية , لكنها لا تضمن تنفيذ القرارات الاتحادية المركزية لأسباب مختلفة .

السلطة القضائية :

تقوم القاعدة الأساس في قضاء الدول الفيدرالية الاتحادية على اعتبار سلطة القضاء من المسائل المحلية التي تختص بها كل ولاية (دويلة , مقاطعة) من مكونات دولة الاتحاد . لكن وبحكم إمكانية بروز خلافات بين السلطات المركزية الفيدرالية , والسلطات المحلية للولايات حول القضاء , يتم استحداث "المحاكم العليا" التي تختص بالفصل في المنازعات التي تبرز بين السلطتين , وهذه المحاكم تتبع للسلطة المركزية , وذلك ما تأخذ به سويسرا مثلاً , أما بعض الدول الأخرى فقد أنشأت "محكمة دستورية" مثال ألمانيا الاتحادية , ويتم تعيين أعضاء المحكمة الدستورية بالانتخاب مناصفة بين الهيئة التشريعية الدنيا , والهيئة العليا , وتختص هذه المحكمة بالفصل في دستورية القوانين الصادرة من السلطة التشريعية الاتحادية , ودستورية القوانين الصادرة عن برلمانات الولايات الاتحادية , مستندة في فصلها القانوني إلى الدستور الاتحادي المركزي , الذي يحدد اختصاصات دولة الاتحاد الفيدرالية المركزية , كما يحدد صلاحيات الولايات المختلفة التي يتشكل منها الاتحاد المركزي , وهذا الدستور هو الناظم لعمل الدول الفيدرالية الاتحادية , ففي الولايات المتحدة الأمريكية , يوجد "المحكمة العليا" التي يتم تعيين أعضائها من قبل الرئيس المنتخب من الشعب مباشرة , على أن يصادق على عضويتهم من مجلس الشيوخ , وفي حالة عدم إجازة التعيين من قبل المجلس , على الرئيس أن يعيد النظر في تعيينه من خلال اختيار عضو جديد بديل عن الذي لم يأخذ موافقة مجلس الشيوخ (ليلة , 1969: 151-153) .

استناداً إلى التراث النظري والتطبيقي لدول الاتحاد الفيدرالي الكثيرة في العالم . يمكن أن يقام "اتحاد فيدرالي ثلاثي الوطنيات" في فلسطين التاريخية والأردن , بحيث يضم ثلاثة كيانات دولانية هي "الأردن , وفلسطين , وإسرائيل" , وتضع دستورها الذي يوضح ويحدد صلاحيات سلطاتها الثلاثة السابقة وفقاً للتجربة الغنية جداً لشعوب العالم ودوله الفيدرالية , الأمر الذي يجعل من شعار نحو اتحاد فيدرالي , أمراً مقبولاً ومرغوباً بوصفه حلاً جذرياً للمشاكل التي وضحتها هذه الدراسة , والتي أسست لضرورة البحث عن حل مستقبلي , والذي لا نراه بعيداً عن الاتحاد الفيدرالي المنشود في هذه الدراسة , وهو دولة اتحادية فيدرالية مركزية , يجب العمل على تحقيقها تخطيطاً وتنفيذاً على المدى البعيد الذي قد يتجاوز عقدين من الزمن .

 

نحو اتحاد فيدرالي ثلاثي الوطنيات :

يمثل الاتحاد الفيدرالي ثلاثي الوطنيات الذي تدعو إليه هذه الدراسة , دولة اتحادية مكونة من ثلاث "دويلات" هي الأردن , وفلسطين , وإسرائيل , بحيث تُكون دولة واحدة جديدة , هي دولة الاتحاد , ويصبح لها السلطة على حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد وعلى مواطني ورعايا تلك الدول . وتفقد الدول الثلاث - نتيجة لهذا الاتحاد - سيادتها الخارجية , باعتبار أن السياسة الخارجية من صلب مهام وصلاحيات الدولة الاتحادية المركزية , لكن تحتفظ "الدويلات" الثلاثة بسيادتها الداخلية فـــي معظم شئونها , فيكون لكـــل منها دستورها , وقوانينها الخاصة بهـــا , ومجالسها النيابية , وحكومتها وقضائها , أي لكل "دويلة" سلطاتها الثلاثة الخاصة بها , التشريعية والتنفيذية والقضائية , وفي نفس الوقت يكون لدولة الاتحاد الفيدرالي "الثلاثي الوطنيات" المنشود إنشاءه دستوره الخاص به , وسلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية , ويكون مناط بها عدة قضايا رئيسية منها : الشئون الخارجية , الدفاع الوطني , العملة الموحدة , نظام تعليمي عام وموحد , إضافة إلى قضايا التعرفة الجمركية الموحدة , ... الخ من مسائل يتم الاتفاق عليها بين الكيانات الثلاثة المكونة لدولة الاتحاد الفيدرالي .

ويشير مفهوم "الوطنية" في سياق هذا البحث إلى مدلول "القومية" , بمعنى ثلاثي القوميات , على اعتبار أن كل واحدة من المكونات الثلاثة تشكل "قومية" أو "وطنية" مستقلة , وإن اشتركت اثنتان منهما في الكثير من الخصائص والسمات وهما الأردن وفلسطين , وإذا ما كان ذلك عاملاً معززاً في اتجاه معين , فربما يكون معيقاً في اتجاه آخر , لجهة الرفض الإسرائيلي لذلك , على اعتبار أن الوطنيتين الأردنية والفلسطينية هم عربيتين على خلاف "الوطنية الإسرائيلية" التي تشكل "قومية" هجينة مختلفة الأعراق , لا يجمعها إلا عنصر الدين الذي ساعد في إيجاد وبلورة الأمة – الدولة , أي الدولة التي تحولت إلى أمة , أو قومية , بمعنى أن تأسيس الدولة ساهم في تشكيل القومية - الأمة الإسرائيلية المعاصرة الذي لا يتجاوز عمرها الستة عقود زمنية , في مقابل "قومية" (وطنية) فلسطينية , أو أردنية بجذورها العربية الممتدة إلى قرون من الزمن , لكن لم يكن "للوطنية" الأردنية دولة خاصة بها إلا منذ عقود بسيطة , في حين أن "الوطنية الفلسطينية" لم يتأسس لها دولتها الخاصة بها طوال تاريخها .

من الطبيعي أن يكون هذا المشهد (السيناريو) التحويلي صعب المنال , وربما يكون "مستهجن" من الكثيرين بوصفه يمثل سابقة على مستوى الفكر السياسي المستقبلي , إلا أن ذلك لا يعني عدم التفكير بمثل هـــذا السيناريو المستقبلي , بوصفـــه يمثل رؤية حلولية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , وبالتالي للصراع العربي - الإسرائيلي , لاسيما وأن هناك العديد من الإشكاليات المستعصية في حلها خلال المفاوضات المباشرة التي تجري بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي , وهي إشكاليات يصعب حلها بوصفها جزء لا يتجزأ من البنيان الفكري التاريخي للطرفين , عدا عن كونها تمثل مصالح وطنية "قومية" عليا لكل طرف , سواء فيما يتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وفقاً لقرارات الشرعية الدولية , لاسيما القرار (194) , أو لجهة "حق تقرير المصير" لأبناء الشعب الفلسطيني في دولة إسرائيل , أو موضوع الدولة الفلسطينية الموعودة في الأراضي التي احتلت عام 1967 , حيث لا اتفاق على العاصمة القدس , التي أصبح هناك العديد من الصعوبات في فصلها , أي فصل القدس الشرقية عن القدس الغربية , التي لا يفصل بينهما إلا شارع واحد بعرض لا يتجاوز العشرة أمتار , إلى جانب التداخل السكاني , والمواقع الدينية اليهودية , والمسيحية , والإسلامية , إضافة إلى الصعوبات المتعلقة بالتواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المنشودة بما يحفظ لها وحدة أراضيها , أي وحدتها الإقليمية , باعتبار ذلك أحد أركان الدولة وشرطاً من شروط قيامها , علماً بأن تعبير الإقليم لا يعني الأرض وحدها , وإنما أيضاً , الأرض وما تحتها من أعماق , وما علاها من أجواء , وما جاورها من مياه الأنهار , أو البحار , أو المحيطات , فالإقليم بهذا المعنى هو المركز المادي للسلطة (لبد , 2002: 214) , وهذا الإقليم عملياً مقسم إلى "جزيرتين يابستين" هما الضفة الغربية وقطاع غزة , والذي لا يربط بينهما أي تواصل جغرافي إقليمي , الأمر الذي استلزم طرحه في المفاوضات من خلال "الممر الآمن" , أو "المعبر الآمن" , والذي سيخترق السيادة الإسرائيلية بكل الأشكال والطرق , مما يعني تداخلاً بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية , وفقاً لمفاهيم السيادة الوطنية (القومية) والتي تشمل كل ما هو تحت الأرض وما فوقها .

انطلاقاً من الصعوبات الكبيرة التي تواجه حل "الدولتين المتجاورتين لشعبين" , وفق ما هو مطروح من سيناريو لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , وثغرات هذا السيناريو (المشهد) الحلولي , كان هذا الطرح المتمثل في "الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنيات" , وهو بالأساس مستند إلى رؤية الدولة "ثنائية القومية" التي يتم الحديث عنها فلسطينياً , وإسرائيلياً , وعربياً , ودولياً من خيرة المفكرين السياسيين الراغبين في إنهاء هذا الصراع التاريخي بما يحافظ على حقوق الجميع , وضمان وجود الكيانات الدولانية الثلاثة التي ستتنازل كل منها بمقتضى الدستور الفيدرالي الاتحادي عن بعض سلطانها الداخلي , وعن سيادتها الخارجية لصالح دولة الاتحاد المركزية التي ستصبح هي الشخصية الدولية المعترف بها , وتتحول الكيانات الثلاثة إلى مجرد أقسام دستورية داخل دولة الاتحاد , وهو أمر ليس سهلاً على دولة إسرائيل التي تعتبر نفسها من الدول القوية في منطقة الشرق الأوسط , إلا أن هذه القوة الآنية , ستتحول مع معطيات المستقبل إلى نقيضها مما يجعل وجودها المتماسك والمستقر أمراً صعب المنال , لذا يصبح سيناريو الاتحاد الفيدرالي مشهداً مطلوباً ومرغوباً حتى بالنسبة لدولة إسرائيل , كما هو بالنسبة للأردن وفلسطين , بوصفه الحل المنشود لوضع حد نهائي ودائم للصراع التاريخي .

في سياق هذه الرؤية المستقبلية لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , والعربي - الإسرائيلي , تبقى قضايا كبيرة وضخمة بحاجة إلى نقاش وتفاهمات إذا ما توفرت الرغبة والإرادة الحقيقية لإقامة دولة الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنيات , خاصـــة تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية , والدفاع الوطني , والعملة الموحدة , والنظام التعليمي الموحد , الحديث والعصري الذي يجب أن يتجه نحو تعزيز الانتماء لدولة الوحدة , ويبدو لنا أن موضوعي التعليم والدفاع الوطني هما من أهم وأخطر الموضوعات التي ستواجه دولة الوحدة , إلى جانب التفاوت الكبير في مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي بين مكونات دولة الوحدة , بحكم تقاليد كل منها وتاريخها السياسي , وهذه قضايا يجب أن ينصب جهدنا عليها بوصفها ضمان نجاح دولة الوحدة الفيدرالية التي تصون حقوق الجميع دون أن تضر بالأخريات في صيغة وحدوية تكاملية تنشد المستقبل , وتكون دولة العدالة والمساواة , التي تصون الحريات الأساسية وحقوق الإنسان , وتنمي المشاركة السياسية من قبل الجميع , دولة التنمية الإنسانية المستدامة , التي تحقق إنسانية الإنسان وتصون كرامتـــه , وتستغل إمكاناتها المادية والبشرية لصالح مواطني دولـــة الاتحاد الفيدرالي المنشود .

الخلاصة والاستنتاج :

إن ما سبق يشير بوضوح إلى طبيعة الترابط بين فلسطين التاريخية والأردن , فلسطين بكيانيها الإسرائيلي والفلسطيني , لذا تبدو الضرورة المصلحية البعيدة المدى لهذه الكيانات في توحدها بدلاً من انقسامها وتقزيمها , لاسيما وأن هذا التوحد الفيدرالي يحل مشكلة تاريخية قديمة , وحاضرة , ومستقبلية , وإذا ما عددنا فوائد هذا "الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنيات" , سنجد انه قد يحقق التالي :

1-   حل المشكلة الأكثر صعوبة وهي "حق العودة" , حيث سيصبح للمواطن الفلسطيني الحق في أن يعود إلى أراضي الاتحاد إذا كان خارجها , وإن كان داخلها فهذا يسهل الأمر , ويجعل تطبيق قرار "حق العودة" في بعده التعويضي سهلاً , وبالتالي لن يكون هناك مانع لدى إسرائيل في تطبيق هذا القرار لأنها لن تكون متضررة منه .

2-   سيحقق هذا الاتحاد الفيدرالي تطبيق "حق تقرير المصير" لأبناء الشعب الفلسطيني في دولة إسرائيل بوصفهم مواطني دولة الاتحاد , وستنتهي مشكلتهم تماماً , بالطبع هذا الأمر يستلزم تغيير طابع الدولة الإسرائيلية من كونها دولة يهودية لليهود أينما كانوا إلى دولة لكل مواطنيها , وهذا أمر يمكن تحقيقه لأنه لا محالة لابد وأن يتم حتى لو بقيت الأمور على حالها , فلن تصمد إسرائيل كثيراً في كونها دولة يهودية على ضوء التوقعات المطروحة لزيادة عدد السكان الفلسطينيين في دولة إسرائيل , والذي سيقارب عددهم المليوني نسمة , ويمثلون حوالي (25%) من مجموع سكان دولة إسرائيل عام 2025 , خاصة وأن النمو السكاني بين أوساط الفلسطينيين في دولة إسرائيل أسرع ثلاث مرات من نمو الإسرائيليين , لذا سيصبح عددهم المتوقع عند حلول الذكرى المئوية الأولى لتأسيس دولة إسرائيل عام 2048 (50.5%) (كرباج , 1999: 66) .

3-   سيؤمن هذا الاتحاد إمكانية حل إشكالية "القدس" كعاصمة موحدة لدولة الاتحاد وبالتالي لن تتراجع إسرائيل عن فكرة القدس الموحدة , ولن يتراجع الفلسطينيون عن أن القدس عاصمة لدولتهم , لذا لن تكون هناك مشكلة للكيانين , مع أن القدس يمكن أن تكون عاصمة لدولة الاتحاد الثلاثي , على أن يتخذ كل كيان بعد ذلك عاصمة له , أي أنها صيغة ترضي كافة الأطراف , وبما يحافظ على القدس الموحدة ولها إدارة بلدية خاصة بها منتخبة من سكانها.

4-   ستحمي دولة الاتحاد الثلاثي المملكة الأردنية الهاشمية من الانهيار والدمار , إذا ما تم تطبيق حق العودة على الفلسطينيين فيها , وبالتالي سيكون للأردن المصلحة نفسها التي كان سيوفرها الاتحاد الكونفدرالي الفلسطيني – الأردني , مع أن التوجهات المحلية كانت تقوم على اتحاد فيدرالي وليس كونفدرالي , وبالتالي إن أياً من هذه الصيغ الدستورية والقانونية سيكون كفيلاً بحماية هذه الدولة من الانهيار , كما سيحمي إسرائيل من حالة عدم الاستقرار التي ستخلفها المعادلة الديموغرافية فيما لو تحقق "حق العودة" وفقاً لطموحات الفلسطينيين , كما أن صيغة الاتحاد الفيدرالي الثلاثي ستضمن بقاء الأردن دولة لمواطنيها التي عمل عليها الملك حسين وورثة عرشه من بعده .

5-   سيضمن هذا "الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنيات" لدولة إسرائيل حق الوجود الفعلي والقانوني , وليس انطلاقاً من ميزان قوى , بل من قناعات تتولد عند جميع الأطراف , مع أن عليها أن تغير تعريفها لنفسها من كونها دولة يهودية إلى دولة لكل مواطنيها , ولكن هذا التغيير مطلوب من الجميع دون استثناء , أي فلسطين والأردن وإسرائيل .

إن ما سبق من رؤى يلامس ما أكد عليه "أحمد قريع" رئيس الوزراء السابق , عندما قال :

 "نحن في بيئة إقليمية ودولية تبدلت تبديلاً هائلاً عما كانت عليه بالأمس القريب , تبدلت فيها القوى والمفاهيم والرؤى والموازين , وتقلبت على شعوبها العقائد والنظم والتحالفات والقوانين , إلى حد يبدو فيه الأمس وكأنه تاريخ بعيد , ويتجلى فيه الحاضر كفرع شجرة مقطوع عن الجذع , فيما المستقبل يتقدم بخطى سريعة وبقوة ذاتية متعاظمة قادرة على كسر المسلمات العتيقة , وتقويض الأوهام التاريخية , واجتياز الحدود والسدود , وإلغاء المسافة بين أي نقطتين , وتغير معنى القوة ومغزى السيادة ومدلول الشرعية ومفاهيم العدل والحق والحرية , وغير ذلك الكثير الكثير مما أفرزته ثورة المعلومات الإلكترونية" (قريع ,2005: 6) .

وإذا كان هذا الكلام صواباً , فما أحوجنا لأن ندقق فيه , ونجعل مما هو متخيل ومثالي طوباي إلى مفضل ومرغوب فيه , نعمل عليه وفق خطة إستراتيجية بعيدة المدى تتجاوز العقدين من الزمن , لعلنا نحول المتخيل إلى واقعي , والحلم إلى حقيقة , مع إدراكنا للصعوبات التي تعترض الطريق , طريق "الاتحاد الفيدرالي الثلاثي الوطنيات" القادر على حل كل الإشكاليات التي أشرنا إليها , فهذا الاتحاد قادر على إيجاد حل جذري شامل وعادل ودائم لقضية الشعب الفلسطيني ممثلة في حقه بالعودة إلى دياره , وتقرير مصيره بنفسه , وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس , وإن بدا ذلك صعب المنال , فبالعمل يتحول الحلم إلى حقيقة , وهذه إلى واقع وإن طال الزمن .

توصيات ومقترحات :

1-   يوصي الباحث العمل على مناقشة الخيارات والبدائل المستقبلية لحل مسألة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي , والعربي - الإسرائيلي من خلال مؤتمرات خاصة , على أن تقدم رؤى ومقاربات نظرية علمية وفق رؤية شمولية , بحيث يتم التوقف أمام مساوئ ومحاسن كل خيار وبديل ومناقشتها بعمق وعلمية , وتقديمه لراسمي السياسات وصناع القرارات , كما يؤكد الباحث على ضرورة عمل حلقات نقاش بين المتخصصين من المفكرين والأكاديميين والسياسيين لتناول هذه الأفكار والتعمق فيها , علها تصل إلى المرغوب والمفضل منها وتحوله إلى خطة عمل مستقبلية .

2-   يوصي الباحث باستحداث مراكز متخصصة بالدراسات المستقبلية , بوصفها علوم المستقبل , على أن تساهم هذه المراكز في إحداث حركة ترجمة نشيطة لكل ما يكتب حول المستقبليات , وترعى كل النشاطات البحثية العلمية ذات الرؤى المستقبلية .

3-   يوصي الباحث بتشجيع العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً التعمق بالدرس والفحص والتمحيص في خيار "الدولة الديمقراطية العلمانية" , "والدولة الثنائية القومية" , "والدولة المتعددة الوطنيات" ذات الصبغة الفيدرالية الاتحادية , لمناقشة عيوب كل منها وفوائدها , وعوائق تحققها , ودوافع تحقق أي منهـــا , وبمـــا يخدم الحل الجذري لعمليـــة الصراع التاريخية , الفلسطينية - الإسرائيلية , والعربية - الإسرائيلية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع العربية :

1-    

إبراهيم ,  سعد الدين (1988) : مستقبل المجتمع والدولة في الوطن العربي , منتدى الفكر  العربي , عمان , الأردن .

2-    

الأزعر ,  محمد خالد (2000) : المقاومة الفلسطينية , في العرب ومواجهة إسرائيل , احتمالات  المستقبل , الجزء الأول , الدراسات الأساسية , مركز دراسات الوحدة العربيـــة ,  بيروت .

3-    

امتاي , يوسف  (1988) : وئـــام الشعوب فـــي الميزان , تسركوفر , تـــل أبيب , إسرائيل .

4-    

ايغناتينكو ,  ج.ب (1996) : من النظام الكولونيالي إلى نظام الدولة , دار التقدم , موسكو .

5-    

باروت , محمد  جمال (2002) : المشكلة العربية في فلسطين التاريخية : بين الطوبي العلمانية  والإمكانية المسدودة , مجلة الآداب , العدد 7-8 , دمشق .

6-    

بركات , حليم  (2004) : الهوية , أزمة الحداثة والوعي التقليدي , رياض الريس للكتب والنشر ,  بيروت , لبنان .

7-    

بشارة , عزمي  (1995) : العربي الإسرائيلي , قراءة في الخطاب السياسي المبتور , مجلة الدراسات  الفلسطينية , العدد (24) , بيروت , لبنان .

8-    

عرب الـ 48 ,  حديث شامل عن مأزق أوسلو والتطورات الأخيرة , مجلة الدراسات الفلسطينية , العدد  (28) , بيروت , لبنان .

9-    

فصل جديد في  تاريخ الجماهير العربية في الداخل , مجلة الدراسات الفلسطينية , العدد (44) ,  بيروت .

10-                       

من يهودية  الدولة حتى شارون : دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية , مواطن , المؤسسة  الفلسطينية لدراسة الديمقراطية , رام الله .

11-                       

بطيخ , رمضان  محمد (1988) : الإدارة المحلية في النظم الفيدرالية : دراسة تحليلية مع التطبيق  على دولة الإمارات العربية المتحدة , مؤسسة العين للإعلان والنشر والتوزيع ,  الشارقة , أبو ظبي , الإمارات العربية المتحدة .

12-                       

تونكين , ج.ي  وآخرون (1982) : القانون الدولي , دار التقدم موسكو .

13-                       

ثابت , عادل (1999)  : النظم السياسية , دراسة للنظم الرئيسية المعاصرة ونظم الحكم في بعض البلدان  العربية , دار الجامعة الجديدة للنشر , الإسكندرية .

14-                       

جريدة  الاتحاد (1976) : بيان مشترك بين الحزبين الشيوعيين الإسرائيلي والأردني , في  30/7/1976 .

 

 

15-                       

حجاوي ,  سلافة (2003) : دولة فلسطين المجهضة .. المرتقبة , قراءة في العقل السياسي  الفلسطيني , 1959- 1993 , مؤسسة الدراسات الفلسطينية , العدد (53) , بيروت .

16-                       

الحوت , شفيق  (1973) : كيف نقول لا للدولة الفلسطينية , شئون فلسطينية , العدد (24) , بيروت .

17-                       

حوراني ,  فيصل (2000) : نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية وتطوراتها حتى نهاية القرن  العشرين , في الندوة الفكرية السياسية , خبرات الحركة الوطنية الفلسطينية في  القرن العشرين , منشورات المركز القومي للدراسات والتوثيق , غزة .

18-                       

الخالدي ,  كمال (1999) : فكرة دولة ثنائية القومية في فلسطين : خيار سياسي مطروح أم تطور  تراكمي مقصود , مجلـــة الدراسات الفلسطينيـــة , العـــدد (37) , بيروت , لبنان  .

19-                       

خلف , صـــلاح  (1992) : فلسطيني بـــلا هويـــة , المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية , ط2 ,  تونس .

20-                       

الدجاني ,  برهان (1996) : الحل البديل : فلسطين الموحدة , مجلة الدراسات الفلسطينية ,  العدد (26) , بيروت , لبنان .

21-                       

دراج , فيصل (2002)  : الواقعي والمتخيل في الدولة الديمقراطية العلمانية , مجلة الآداب , العدد 7 - 8  , دمشق .

22-                       

زاهر , ضياء  الدين (2004) : مقدمة في الدراسات المستقبلية , مفاهيم , أساليب وتطبيقات , مركز  الكتاب للنشر , المركز العربي للتعليم والتنمية , القاهرة .

23-                       

سعد الدين ,  إبراهيم وآخرون (1982) : صور المستقبل العربي , مركز دراسات الوحدة العربية ,  بيروت .

24-                       

سعيد ,  إدوارد (1996) : الانتفاضة ضد أوسلو , جريدة الحياة , 1/10/1996 , لندن .

25-                       

سلامة , معتز  (1997) : القرارات العربية بالمشاركة في مؤتمر مدريد (1991) : دراسة للقرارين  السوري والفلسطيني , رسالة ماجستير , جامعة القاهرة , كلية الاقتصاد والعلوم  والسياسية , القاهرة .

26-                       

الشريف ,  ماهر (1995) : البحث عن كيان , دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني (1908- 1993) ,  مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي , شركة F.K.A المحدودة للنشر , قبرص .

27-                       

الشريف ,  ماهر (2002) : التطور التاريخي لفكرتي الدولة الديمقراطية العلمانية , والدولة  ثنائية القومية , مجلة الآداب , العدد 7 - 8 تموز/ آب , دمشق .

 

28-                       

الشعيبي ,  عيسى ( 1985) : الكيانات الفلسطينية , الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي (1947-  1977) , مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية , قبرص .

29-                       

صايغ , يزيد (2002)  : الكفاح المسلح والبحث عن الدولة , الحركة الوطنية الفلسطينية , 1949- 1993 ,  مؤسسة الدراسات الفلسطينية , بيروت .

30-                       

عبد الرحمن ,  أسعد وحوراني , هاني (1996) : تطور مفهوم العلاقات الأردنية – الفلسطينية , مجلة  السياسة الفلسطينية , السنة الثالثة , العدد العاشر , مركز البحوث والدراسات  الفلسطينية , نابلس , فلسطين .

31-                       

عبد المعطي ,  عبد الباسط محمد (1990) : البحث لاجتماعي , محاولة نحو رؤية نقدية لمنهجه  وأبعاده , دار المعرفة الجامعية , الإسكندرية .

32-                       

عكاوي , ذيب (1997)  : حق الشعوب في تقرير المصير , توجهات قانونية جديدة , مؤسسة الأسوار , عكا .

33-                       

غانم , أسعد (2000)  : الحل الوحيد الممكن في فلسطين : دولة ثنائية القومية , مجلة الدراسات  الفلسطينية , العدد (41) , مؤسسة الدراسات الفلسطينية , بيروت , لبنان .

34-                       

فرجاني ,  نادر (1981) : حول استشراف أبعاد مستقبل الوطن العربي , رؤية نقدية للجهود  المحلية والخارجية , دراسة منشورة ضمن أعمال الحلقة النقاشية للمعهد العربي  للتخطيط بالكــويت , وموضوعها .. حــــول آفاق التنمية العربية فــــي  الثمانينات , الكويت .

35-                       

فورني , يوسف  (1985) : المسألــــة العربية والمشكلة اليهودية , عــــام عوفي , تل أبيب , إسرائيل  .

36-                       

قريع , أحمد (2005)  : عشر سنوات على وجود السلطة الفلسطينية , تقييم التجربة ورؤية المستقبل , كلمة  أمام مؤتمر رام الله , 14-17  آذار ,  منشورات المركز الفلسطيني لتعميم الديمقراطية وتنمية المجتمع , بانوراما , ومركز  الدراسات الاستراتيجية والسياسات الفلسطينية , رام الله , فلسطين .

37-                       

كرباج , يوسف  (1999) : إعادة خلط الأوراق السكانية في الشرق الأوسط : المستقبل الديموغرافي  لمنطقة فلسطين – إسرائيل , مجلة الدراسات الفلسطينية , العدد (38) , بيروت  والقدس .

38-                       

الكرمي ,  غادة (2002) : دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين التاريخية : فكرة آن أوانها ,  مجلة الآداب , العدد 7 – 8 , دمشق .

39-                       

كيمر لنغ ,  باروخ (1998) : النسخة الفلسطينية , هآرتس , 3/7 إسرائيل .

40-                       

لبد , يوسف  شعبان (2002) : إلى علم السياسة , دار ابن خلدون للنشر والتوزيع , غزة , فلسطين .

41-                       

لورى , براند  (1991) : الفلسطينيون في العالم العربي , بناء المؤسسات والبحث عن الدولة ,  مؤسسة الدراسات الفلسطينية , بيروت .

42-                       

ليلة , محمد  كامل (1969) : النظم السياسية , الدولة والحكومة , دار النهضة العربية للطباعة  والنشر , بيروت .

43-                       

مارشال ,  جوردن (2000) : موسوعة علم الاجتماع , مراجعة وتقديم محمد محمود الجوهري ,  المجلس الأعلى للثقافة , المشروع القومي للترجمة , المركز المصري العربي ,  القاهرة .

44-                       

مخول , أمير (2002)  : بين جواهر إسرائيل وتجزيئية الحلول , مجلة الآداب , العدد 7 - 8 , دمشق .

45-                       

مسعد , جوزيف  (2002) : الدولة الثنائية القومية وإعادة توحيد الشعب الفلسطيني , مجلة الآداب ,  العدد 7 – 8 , دمشق .

46-                       

المسيري ,  عبد الوهاب (2000) : الإمكانات الأيديولوجية الصهيونية , في العرب ومواجهة إسرائيل  , احتمالات المستقبل , الجزء الأول , الدراسات الأساسية , مركز دراسات الوحدة  العربي , بيروت .

47-                       

مصالحة ,  نور(1994) : الفلسطينيون داخل "الخط الأخضر" والاتفاقات الفلسطينية -  الإسرائيلية , مجلة الدراسات الفلسطينية , العدد (120) , بيروت , لبنان .

48-                       

المصري ,  رفيق وآخرون (2005) : فلسطين , تاريخ وقضية , مطبوعات جامعة الأقصى , غزة ,  فلسطين .

49-                       

نسيبة , سري (1987)  : مقابلة مع مجلة (spectur) الشهرية الناطقة باسم الحركة العمالية الإسرائيلية , الصادرة  باللغة الإنجليزية , أيار/مايو , إسرائيل .

50-                       

نفاع , محم د(2002)  : الطاقة الكبرى , مجلة الآداب , العدد 7 – 8 , دمشق .

51-                       

نوفل , ممدوح  (2000) : البحث عن دولة , مواطن , المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية , رام  الله .

 

 

 

 

المراجع الأجنبية :

Alain  Gresh(1988): Plo, the struggle within: towards an independent Palestinian  state, 2nd edition, London.

1.

Asad  Ghanem and Sarah Osacky - Lazar(1996): Towards and alternative. Israel -  Palestine Discourse: one state tow communities Palestine- Israel, journal of  politics economics and culture, vol.111, No.3/4 Summer/Autumn

2.

David  Mcdowell(1989):Palestine and Israel : the uprising and beyond, California  university press, California.

3.

Francis  Boylel(1988):Creating the state of Palestine, in the Palestine year book of  international law, vol.4.

4.

Jenab  Tutunji and Kamal Khaldi(1997): A Binacional state in Palestine : The  rational choice of Palestine and moral choice of Israel, international  affairs, Vol.73. January.

5.

Mohamed  Rabie(1992): The new world order: A perspective on the post - cold war ere,  vantage press, New York.

6.

Roger  Owen(1992): state, power and politics, in the making of the middle east,  London.

7.

Seri  Nsseibah(1996): The eyes of Palestine: how Abas see likuds victory,  Washington post/ June.

8.

 


* أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الأقصى , غزة , فلسطين .

 
   
   
 
   
 

الصفحة الرئيسية | عن المركز | المكتبة الإلكترونية | تحقيقات وتقارير | آراء ومقالات | أبحاث ودراسات | مكتبة الصور | إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة للمركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية © 2012
إشعار قانوني: يرجى الإشارة للموقع بعملية الإقتباس من الدراسات والأخبار وجميع باقي محتويات الموقع
تطوير وتنفيذ شركة
IXphoenix لخدمات البرمجة والتصميم الجرافيكي